خطاب الجولاني وتحولات النصرة

السبت 2015/05/30

في ظهوره الجديد على شاشة قناة الجزيرة، بدا زعيم جبهة النصرة في سوريا أبومحمد الجولاني مهتما بتوجيه رسائل لطمأنة “الأقليات” التي ينظر إليها على أنها موالية للنظام السوري. تطمينات جاءت غريبة عن نهج جبهة النصرة التي لم تبد اكتراثا بالدعاية السياسية أو بنسج علاقات مع دول إقليمية وغربية كما هو الحال مع فصائل جهادية أخرى في سوريا. لكن الواقع يقول بأن جبهة النصرة هي جزء من تنظيم القاعدة، وأنها بالتالي محكومة بعقيدة شديدة التطرف والضيق في رؤيتها للمخالفين كانت بادية جدا في اللقاء التلفزيوني المذكور.

فرغم كون اللقاء مخصصا لتحسين صورة النصرة وزعيمها، وإعطاء انطباع بأنها باتت تقبل الآخر وترسم سياسات “عقلانية” للتعايش معه، لم يحتج خطاب الجولاني إلى “هفوات” لكي يظهر تطرفه، بل كان التشدد هو عنوان كل الرسائل، وتأكد أنه يشكل صلب قناعات النصرة السياسية والأيديولوجية التي لا يبدو أنها قد تغيرت.

التغير في الرؤية السياسية والدينية لجبهة النصرة وفي ارتباطها بالقاعدة كان محط اهتمام في الأشهر الماضية، وخصوصا بعد تشكيل جيش الفتح في إدلب وتلقيه دعما إقليميا سخيا رغم أن جبهة النصرة تشكل أحد أهم مكوناته. فما هو حجم ذلك التغير؟

الجولاني أكد على ارتباطه بتنظيم القاعدة، بل أعلن بأنه قدم إلى سوريا بطلب من أيمن الظواهري، وأنه يقاتل فيها متبعا أوامره. لم يظهر إذن أي تحول علني بما يخص الصلة بين النصرة والقاعدة، لكن خطاب الجولاني حمل تغيرا واضحا عن الخطاب التقليدي للتنظيم الأم. إذ كان لافتا إعلان الرجل أن عدوه الرئيسي هو النظام السوري وليس الولايات المتحدة الأميركية، حتى إنه لم يصنف الأخيرة في خانة العدو رغم الضربات التي توجهها طائرات التحالف لمواقع النصرة في سوريا.

تأسست الجهادية العالمية على قاعدة قتال “الغرب” عموما والولايات المتحدة بصورة خاصة، دون اهتمام يذكر بالشؤون الداخلية لدول المنطقة. لكن الخطاب الجديد يركز على البعد المحلي وفي هذا تتبدى تحولات النصرة حيث تخلت عن القضايا الكبرى على مستوى العالم والتي تتمثل بهزيمة “الغرب الكافر”، وتحولت إلى قضايا على مستوى المنطقة، وإن بقيت قضايا كبرى أيضا من قبيل إنشاء دولة خلافة إسلامية في بلاد الشام.

لم يعد “الغرب” هدفا للنصرة، وكذلك الأمر بالنسبة للقاعدة الذي امتنع عن القيام بهجمات جهادية ضد الغرب خلال السنوات الماضية، في مؤشر على أن سياسة النصرة في سوريا والعراق هي ما يوجه حاليا سياسة القاعدة في العالم.

بالنسبة للقضية السورية، فلا يحمل التحول لدى النصرة أي تطورات إيجابية. إذ سيكون من نتائجه المباشرة تكريس جبهة النصرة في سوريا، وبالتالي تكريس التطرف في صفوف قوى المعارضة المسلحة. كما سيكرس حديث الجولاني الخطاب الدعائي الذي يستخدمه الأسد والمتمثل بـ“حماية الأقليات”، فضلا عن تكريس الذريعة لعدم فتح المجال إقليميا ودوليا لإسقاط الأسد وهي أن الفراغ الحاصل سوف يملأه تنظيم القاعدة.

إن محاولة تقديم النصرة على أنها باتت أقل تطرفا استنادا إلى خطاب الجولاني لا يتوافق مع ما يحدث على الأرض في سوريا. إذ تنفذ الجبهة في المناطق التي تحكمها إعدامات ضد أشخاص يخالفونها بتفاصيل صغيرة لا تكاد تذكر، فتعدمهم على الملأ بعد أن توجه إليهم اتهامات واهية. كما من الجيد تذكر تعاون جبهة النصرة مع تنظيم داعش أثناء اجتياح الأخير لمخيم اليرموك جنوب العاصمة دمشق قبل نحو شهرين.

انطلاقا من ذلك، ليس المطلوب أن يفك الجولاني ارتباطه بالقاعدة، إنما أن تفك المعارضة السورية المسلحة تحالفاتها مع النصرة. لكن ذلك لا يبدو واردا في الظروف الحالية بسبب صعوبة الحرب من جهة، وطبيعة القوى التي باتت مسيطرة على المعارضة السورية المسلحة من جهة أخرى.

يبدو واضحا بأن الحرب الشرسة ضد نظام الأسد لا تترك فرصة لحدوث أي فك للارتباط بين النصرة وبقية الفصائل. لقد قبلت النصرة، الأكثر تشددا، التحالف مع فصائل أخرى “لديها بعض الأخطاء” حسب وصف الجولاني الذي أوضح بأنه يصبر على ذلك بسبب شدة الحرب والحاجة للتحالفات، ولا يبدو الأمر مختلفا لدى بقية الفصائل.

من جهة أخرى، تتجه فصائل المعارضة المسلحة في سوريا نحو مزيد من التطرف، حيث يقل حضور علم الثورة السورية في صفوفها أو يكاد يكون قد اختفى، وتحضر الرايات السوداء والبيضاء. كما يشتركون في تعريف أنفسهم دون مواربة بأنهم جماعات “جهادية مقاتلة” متفاخرين باتباعهم المنهج السلفي. أما الفصائل التي تتبنى خطابا إسلاميا أكثر اتساعا وتسامحا فلا تزال موجودة لكنها تذوي ببطء.

يبدو خطاب زعيم جبهة النصرة أبومحمد الجولاني كمؤشر على تزايد ضعف المعارضة السورية المعتدلة، وعلى اتساع نفوذ القوى الجهادية الأكثر تطرفا إلى درجة يصعب معها إيجاد حل سياسي من جهة، ويصعب تطبيقه في حال تم التوصل إليه من جهة أخرى.

كاتب فلسطيني

7