خطاب الحياد السياسي لم يمنع انخراط الجيش الجزائري في المسار الدستوري

الرجل الأول في المؤسسة العسكرية لا يبدي اكتراثا لغياب التوافق على الدستور الجديد، رغم بوادر المقاطعة الشعبية والاحتجاجات المناهضة له.
الأحد 2020/10/18
تناغم بين السلطة والجيش

الجزائر - انخرطت قيادة الجيش الجزائري في حملة صريحة لصالح الدستور الجديد المزمع عرضه للاستفتاء الشعبي في مطلع شهر نوفمبر المقبل، وظهر من خطابها الدعائي توظيف رمزية اليوم التاريخي من أجل تمرير مشروع سياسي لم يحقق التوافق المنشود، في ظل مقاطعة شعبية منتظرة، وقرار بعض القوى السياسية بمعارضته.

ودعا قائد أركان الجيش الجزائري الجنرال سعيد شنقريحة، في تصريح له أدلى به السبت، خلال زيارته العملية إلى مقر الناحية العسكرية الأولى (البليدة)، الجزائريين إلى الانخراط القوي في مسار الاستحقاق الدستوري، وعبر عن دعم الجيش له، الأمر الذي يعزز فرضية التناغم بين مؤسستي الرئاسة والعسكر، رغم الأصوات الداعية إلى ضرورة حياد المؤسسة في التجاذبات السياسية.

وكان الجنرال شنقريحة، قد صرح في وقت سابق لصحيفة نيويورك تايمز بأن “الجيش الجزائري يقف على الحياد في المسائل السياسية، وأنه لا يتدخل في التجاذبات الحزبية”، وذلك غداة زيارة وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر للجزائر خلال الأيام الماضية.

ويبدو أن مسألة حياد الجيش في الملفات السياسية تحمل تعريفات مختلفة بين قيادة العسكر وبين بعض القوى السياسية، ففيما لا يتوانى الأول في التعبير عن دعمه للخيارات السياسية للسلطة بقيادة الرئيس عبدالمجيد تبون، تصر قوى المعارضة الراديكالية على أن مواقف المؤسسة تنطوي على “انحياز للسلطة على حساب باقي الجزائريين في التيارات الأخرى”.

وصرح قائد أركان الجيش، من مقر الناحية العسكرية الأولى، بأن “الشعب الجزائري سيسطّر بمناسبة الاستفتاء على مشروع الدستور، ملحمة عظيمة في سبيل الوطن سيحفظها التاريخ وتصونها الذاكرة الجماعية للأمة قاطبة”.

وأضاف “إن الملحمة ستكون لبنة قوية أخرى يعلي بها الشعب الأبي شأنه بين الأمم والشعوب، من خلال مشاركته القوية في هذا الاستفتاء الحاسم، وأن شباب الجزائر سيكون على موعد مع القدر ليصنع تاريخ بلاده ويرسم معالم الجزائر الجديدة، وذلك إلى جانب إخوانه في الجيش الوطني، ليقفوا سدا منيعا في وجه المتآمرين الذين لن يفلحوا أبدا في تدنيس بلاد الشهداء”.

ويبدو أن خطاب الرجل الأول في المؤسسة العسكرية غير مكترث بحالة غياب التوافق على الدستور الجديد، رغم بوادر المقاطعة الشعبية واستمرار الاحتجاجات السياسية وتوجه أحزاب ناشطة إلى معارضته عبر الدعوة بالتصويت بـ”لا” خلال الاستفتاء المنتظر.

استمرار الاحتجاجات السياسية
استمرار الاحتجاجات السياسية 

وباتت مظاهر التناغم بين الرئاسة والعسكر متبادلة بين الطرفين، ففيما سبق للرئيس تبون أن وجه خطابا للرأي العام من مبنى وزارة الدفاع الوطني، وبث مباشرة على وحدات ومؤسسات الجيش عبر التواصل المرئي، عبر من خلاله عن الخطوط العريضة لأجندته السياسية، فإن قائد الأركان لم يتأخر في توجيه رسالة التكامل من خلال كلمته نهار أمس للتعبير عن انخراط العسكر في المسار الدستوري.

وتحشد السلطة منذ أكثر من أسبوع أذرعها السياسية والأهلية والإعلامية، من أجل إقناع الجزائريين بتزكية الدستور الجديد في الاستفتاء المنتظر، لكن ورقة التوافق لا زالت غير متاحة في ظل المعارضة التي أبدتها بعض الأطراف للمشروع، وتجاهل الشارع لاستحقاقات السلطة.

ولا زالت قواعد اللعبة غير متساوية بين المؤيدين للدستور وبين المعارضين له، حيث لم يُمكّن هؤلاء من فرص التعبير عن مواقفهم الرافضة وشرح تصوراتهم للرأي العام عبر وسائل الإعلام الثقيلة، كما لم يستمر التضييق عليها في خوض حملتها المضادة.

وكان رئيس حزب جبهة العدالة والتنمية الاخواني عبدالله جاب الله، قد منع هذا الأسبوع من طرف السلطات المحلية لمحافظة عنابة في شرق البلاد، من تنظيم تجمع شعبي لأنصاره والمتعاطفين معه لخوض حملة رفض الدستور.

ومنذ توليه الرئاسة في ديسمبر الماضي، تعهد عبدالمجيد تبون بمراجعة الدستور -المفصل على مقاس الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة- وطرح المشروع للاستفتاء الشعبي.

وقدمت لجنة من الخبراء، عينها تبون في يناير 2020، نتائج عملها في مارس بعد سلسلة مشاورات مع الأحزاب والشخصيات المعروفة وبعض ممثلي المجتمع المدني.

ويقترح مشروع الدستور “تغييرا جذريا في أسلوب الحكم” من أجل التحضير لبناء “جزائر جديدة”.

لكن الغالبية العظمى من الجزائريين، الذين بالكاد يهتمون في الوقت الحالي بالموضوع، لا يزالون غير قادرين على الاطلاع على النص الذي صادق عليه البرلمان دون مناقشة، في أوائل سبتمبر.

ويعتبر كثيرون ممن خرجوا للمشاركة في الاحتجاجات أن الدستور ليس هو محل الخلاف على أي حال إذ أن المهم بالنسبة لهم ليس القوانين وأسلوب صياغتها وإنما المشكلة فيمن يطبقها والأسلوب الذي يطبقها به.

2