خطاب السبسي يحسم ضبابية الأزمة في تونس

تعيش تونس منذ أشهر أزمة اجتماعية حادة عكستها الاحتجاجات في عدة مناطق للمطالبة بالتشغيل والتنمية، ما دفع الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي إلى إلقاء خطاب لمصارحة الشعب والقوى السياسية بصعوبة الوضع الذي تعيشه البلاد والإجراءات التي سيتم اتخاذها للتصدي للتحركات الاحتجاجية التي عطّلت الإنتاج في العديد من المناطق.
الخميس 2017/05/11
الاحتجاجات في كل مكان

تونس - لاقى الخطاب الذي ألقاه الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي الأربعاء بقصر المؤتمرات بالعاصمة ردود فعل متباينة، بين من وصف الخطاب بالشجاع واعتبره آخرون مخيّبا للآمال.

وجاء خطاب السبسي على خلفية الأوضاع الاجتماعية المحتقنة التي تعيشها البلاد، ما جعل بعض الأحزاب المعارضة تستغل الفرصة للمطالبة بإسقاط الحكومة، في حين دعت أطراف أخرى إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.

ووجه السبسي انتقادات للأحزاب المعارضة المطالبة بتغيير الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد لأنها فاشلة.

وقال “أمامنا انتخابات أخرى ستأتي في آجالها القانونية والدستورية عام 2019 ليس بعيدا”.

كما انتقد ردود فعل أحزاب سياسية ومنظمات رافضة لمشروع قانون اقترحه على البرلمان ويقضي بالعفو عن الآلاف من موظفي الدولة ورجال الأعمال الذين سرقوا أموالا عامة إبان حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي شرط إرجاعها مع الفوائد.

وقدمت رئاسة الجمهورية الشهر الماضي مشروع قانون معدل بدأت لجنة التشريع العام في مناقشته منذ أسابيع. ودعت 20 منظمة غير حكومية تونسية ودولية السبسي إلى “السحب الفوري والنهائي” لمشروع القانون لأنه يهدف إلى “تبييض الفساد والفاسدين”.

وأكد رئيس كتلة نداء تونس داخل البرلمان سفيان طوبال، أن خطاب الرئيس اتسم بالشجاعة وأعاد الأمل للتونسيين خاصة عندما تحدث على ضرورة إنجاح العملية الديمقراطية التي تعتبر مكسبا أساسيا بعد الثورة وجب المحافظة عليه.

لكن زهير المغزاوي رئيس حركة الشعب (حزب ذو توجه قومي) قال إن خطاب السبسي لم يأت بجديد ولم يقدم شيئا في ظل الاحتقان الذي تعيشه البلاد. وأضاف “كنا ننتظر حلولا إيجابية” بيد أنه أراد القول إن “المنظومة التي تحكم تونس لا تمتلك الحلول”.

ودعا السبسي خلال خطابه إلى إعادة هيكلة وزارة الداخلية. وقالت وسائل إعلام محلية إن إعادة الهيكلة ستشمل أساسا سلك الولاة (المحافظين)، حيث ستتم إعادة الاعتبار للمحافظ كممثل لرئيس الجمهورية والمشرف الأوّل على الوضع الأمني في الجهات.

ومنذ إسقاط نظام بن علي لم يعد سلك المحافظين تابعا لوزارة الداخلية وأصبحت رئاسة الحكومة هي المشرف المباشر على تعيين المحافظين والمعتمدين الذين يرجعون إليها بالنظر.

محمد علي الزرمديني: من الضروري أن تعتمد الدولة كل آلياتها لإفشال المخططات التي تستهدفها

وتشهد عدة مناطق داخلية حالة احتقان اجتماعي عكسته الاعتصامات التي ينفذها شباب يطالبون بالتنمية والتشغيل خاصة بمنطقة تطاوين الجنوبية. ويعتصم نحو ألف شاب في الصحراء الكبرى بمنطقة كامور في إطار الاحتجاج الذي يطالب بأن تصب 20 بالمئة من إيرادات النفط في الاقتصاد المحلي وفرص العمل.

وقالت وزيرة الطاقة التونسية هالة شيخ روحو الاثنين إن الاحتجاجات أوقفت الإنتاج في حقلي باقل وطرفة لشركة “بيرنكو” للطاقة، وهما وفقا للموقع الإلكتروني للشركة مشروعان مشتركان للغاز.

وقال السبسي إن الجيش سيحمي مستقبلا مناجم الفوسفات وحقول الغاز والبترول من أي تحركات اجتماعية قد تعطل إنتاجها. وأضاف “من هنا ومستقبلا الجيش التونسي هو الذي سيحمي مناطق الإنتاج”.

وقال الخبير الأمني علي الزرمديني، إن قرار السبسي طبيعي باعتبار أنه يدخل في صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة المؤتمن بمقتضى الدستور على سلامة التراب والأمن القومي من خلال تحديد المخاطر التي تحيط بالوطن.

وبين أن تكليف السبسي للجيش بحماية المنشآت الحيوية نابع من أصل المهام الفرعية الموكولة للجيش الوطني.

وأوضح الزرمديني أن حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد تسمح لرئيس الجمهورية باستعمال الجيش الوطني في مهامّ مدنية .

وأكد في تصريحات لوكالة الأنباء الرسمية “أن الظروف التي تمر بها البلاد بالإضافة إلى المعطيات الإقليمية تهدد كيان الدولة ومن الضروري أن تستعمل الدولة كل آلياتها لإفشال تلك التهديدات”.

وقال “الدولة في حاجة إلى قرارات غير شعبية في بعض الحالات للمحافظة على وحدتها وكيانها”.

لكن محمد الحامدي، أمين عام حزب التحالف الديمقراطي المعارض، أعرب عن وجود قلق فعلي بشأن إمكانية تجاوز حق التعبير والتظاهر المضمون قانونيا والخوف من عسكرة الحياة السياسية. وأضاف “هذه المهمة ليست من وظائف الجيش. نحن نعلم أن الجيش تم إرهاقه بعد الثورة، وبقي سنوات خارج الثكنات”.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع التونسية بلحسن الوسلاتي الأربعاء، إن الجيش سيلتزم بتطبيق تعليمات الرئيس الذي أعلن عن تكليف المؤسسة العسكرية بحماية المؤسسات الاقتصادية وتأمين عمليات الإنتاج في مواجهة الاحتجاجات الاجتماعية.

وأوضح لوكالة الأنباء الرسمية أن الوزارة بصدد مواصلة التنسيق مع وزارة الداخلية والجهات المعنية بخصوص آليات وإجراءات تنفيذ ما أعلن عنه رئيس الجمهورية الأربعاء.

وبدا موقف الاتحاد العام التونسي للشغل ضبابيا إزاء الخطاب. وقال الأمين العام للاتحاد نورالدين الطبوبي إن قرار السبسي بتولي المؤسسة العسكرية حماية المنشآت ومؤسسات الإنتاج لن يمنع التحركات السلمية والضغط من أجل الاستحقاقات الاجتماعية.

كما أضاف أن الاتحاد مع دولة المؤسسات ومع الإضرابات طبقا للقوانين، مبيّنا أن الحق النقابي حق دستوري. وشدد على الجيش لن يمنع المنظمة الشغيلة من إصدار برقيات إضراب، مؤكدا أنه لن يتم التراجع عن الاتفاقيات غير المطبقة باسم الجيش.

ويساند الاتحاد حكومة الشاهد وكان قد أعرب عن رفضه لأي توظيف سياسي للاحتجاجات التي تشهدها البلاد. ويرى متابعون أن الاتحاد بات بمثابة سد منيع لحماية حكومة الشاهد من الانهيار. ويرى هؤلاء أن تونس في حاجة إلى كل مؤسساتها وهياكلها وجميع الفاعلين فيها في مثل هذا الوضع المختنق اقتصاديا واجتماعيا.

4