خطاب العرش يرسخ الخيارات الكبرى للمغرب

مرت ثمانية عشر عاما على اعتلاء العاهل المغربي الملك محمد السادس العرش الملكي. وتمكن العاهل المغربي خلالها من جعل المغرب نموذجا أفريقيا وعربيا ودوليا يقتدى به. بفضل استراتجية تستجيب أولا لتطلعات المواطن المغربي الاقتصادية والسياسية، لكن فشل الأحزاب السياسية المغربية في احتواء أزمة الحسيمة مؤخرا جعل العاهل المغربي يفضح تراخيها عن أداء دورها المطلوب منها، معلنا عن فقدان الثقة فيها واتخاذ حزمة من الإجراءات لمعالجتها.
الاثنين 2017/07/31
قوات الشرطة المغربية تحملت مسؤوليتها بشجاعة وصبر

وجه العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب الذكرى الثامنة عشرة لاعتلائه العرش رسائل إلى الطبقة السياسية بالمغرب حذر فيها الساسة من مطبة انشغالهم بالحسابات الحزبية الضيقة دون الالتفات إلى مشاغل المواطن المغربي.

وحمل الملك محمد السادس مسؤولية الاحتقان الاجتماعي بالريف المغربي، إلى الأحزاب السياسية، والتي في اعتقاده “تراجعت عن دورها عن قصد وسبق إصرار أحيانًا، وبسبب انعدام المصداقية والغيرة الوطنية أحيانًا أخرى”.

وشدد بالقول “إذا تخلف المسؤولون عن القيام بواجبهم، وتركوا قضايا الوطن والمواطنين عرضة للضياع، فإن مهامي الدستورية تلزمني بضمان أمن البلاد واستقرارها، وصيانة مصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم”.

وقال العاهل المغربي إن “المغرب، يتطور باستمرار. وهذا التقدم واضح وملموس، ويشهد به الجميع، في مختلف المجالات. ولكننا نعيش اليوم في مفارقات صارخة، من الصعب فهمها، أو القبول بها”. واستطاع المغرب بفضل قيادة الملك محمد السادس من تحقيق تقدم اقتصادي ودبلوماسي يشيد به دول الجوار والعالم حيث بات نموذجا يقتدى به.

لكن التجاذبات الحزبية التي عاشتها عملية تشكيل الحكومة المغربية جعلت الشارع المغربي يفقد الثقة في الأحزاب والسياسيين. وكشف الفشل الحزبي عن حاجة الشارع المغربي لرؤية الملك محمد السادس الناجعة والناجحة التي قادته إلى بر الأمان والتقدم.

المواطن الأولوية الأولى

أكد الملك محمد السادس أنه “إذا كنا قد نجحنا في العديد من المخططات القطاعية، كالفلاحة والصناعة والطاقات المتجددة، فإن برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا، وتبقى دون طموحنا”.

وأوضح أن “ذلك راجع بالأساس، في الكثير من الميادين، إلى ضعف العمل المشترك، وغياب البعد الوطني والاستراتيجي، والتنافر بدل التناسق والالتقائية، والتبخيس والمماطلة، بدل المبادرة والعمل الملموس”.

لفت عبدالمنعم لزعر الباحث المغربي في العلوم السياسية والقانون الدستوري خلال تصريحات لـ”العرب” إلى أن “خطاب العاهل المغربي يجيب عن أسئلة اللحظة السياسية والمجتمعية التي يعيشها المغرب وتوقيته بمثابة مفتاح أمل للتحرر من مأزق ملف الريف وتحدياته”. وأشار الباحث في العلوم السياسية حفيظ الزهري في تصريح لـ”العرب” إلى أن “قوة رسائل الخطاب الملكي عندما تطرق الملك محمد السادس لأهم اهتمامات المواطنين ومعاناتهم اليومية في ظل غياب للوسائط المؤسساتية من أحزاب ونقابات وقد فقد الملك الثقة في أغلبية الفاعلين السياسيين الذين ساهموا بذلك في إضعاف العمل السياسي”.

نوفل بوعمري: الاحتجاجات الأخيرة بالحسيمة كشفت تراخي الأحزاب في أداء دورها

واعتبر الملك محمد السادس أن مسؤولية وشرف خدمة المواطن تمتد من الاستجابة لمطالبه البسيطة إلى إنجاز المشاريع، صغيرة كانت أو متوسطة أو كبرى، متسائلا “ما معنى المسؤولية، إذا غاب عن صاحبها أبسط شروطها، وهو الإنصات إلى انشغالات المواطنين؟”.

وقال نوفل بوعمري، المحامي والناشط السياسي، لـ”العرب”، إن “الخطاب الملكي جاء في أغلب مضامينه ليعكس نبض وقلق الشارع، وخاصة المواطن الذي انتابه اليأس في علاقته مع مختلف الفاعلين السياسيين ولم يعد يجد أمامه غير الملك للتوجه إليه ومخاطبته”.

وعلق المرتضى اعمراشا، الناشط في احتجاجات الريف المتابع قضائيا، على الخطاب الملكي قائلا إنه “خطاب شجاع بكل المقاييس”.

وتزامن خطاب العرش مع العفو الذي شمل شباب التدوينات الفيسبوكية المنتمين إلى العدالة والتنمية وجزءا كبير من معتقلي احتجاجات الحسيمة ممن لم يتورطوا في أحداث جسيمة أثناء الاحتجاجات اعتبارا لظروفهم العائلية والإنسانية، وتعد إشارة إيجابية للمصالحة مع المنطقة.

وفي معرض تقييمه لأداء المسؤولين المغاربة أشار العاهل المغربي، إلى أنه “عوض أن يبرر المسؤول عجزه فالأجدر به أن يقدم استقالته”، مؤكدا أن “المغرب يجب أن يبقى فوق الجميع، فوق الأحزاب، وفوق الانتخابات، وفوق المناصب الإدارية”.

ولفت لزعر، إلى أنه في السنوات الأخيرة تخلت العديد من المؤسسات عن صلاحياتها ودورها المنوط بها سواء كانت المؤسسة البرلمانية أو الحزبية أو الحكومية، تحت تبريرات متعددة. من قبيل غياب السلطة أو التحكم أو غياب استقلالية، وهنا نبه خطاب العاهل المغربي إلى ضرورة تحمل المسؤولية أو تقديم الاستقالة والانسحاب.

وتساءل الملك محمد السادس “ألا يجدر أن تتم محاسبة أو إقالة أي مسؤول، إذا ثبت في حقه تقصير أو إخلال في النهوض بمهامه؟” وأضاف “إننا في مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن في حقوق وواجبات المواطنة، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب”.

ولفت الزهري، إلى أن الملك محمد السادس شدد على ضرورة إقران المسؤولية بالمحاسبة وتطبيق القانون وهي إشارة ضمنية لمرحلة جديدة ستعرف تعاقدا جديدا بين المواطن والدولة تحت عنوان عريض اسمه “المسؤولية مرتبطة بالمحاسبة”.

وأشاد الملك محمد السادس بدور المؤسسة الأمنية بالمغرب، خصوصا القوات العمومية التي كانت في خط التماس مع التدافعات الجماهيرية التي تفرزها الحركات الاحتجاجية، منوها برجال الأمن الذين قال إنهم يعملون آناء الليل وأطراف النهار، وفي ظروف صعبة، حيث كان هاجسهم الأول هو خدمة أمن الوطن والمواطنين.

وقال نوفل بوعمري إن “الخطاب الملكي كشف فقدان ثقة المواطن في الأوساط الحزبية التي تجاوزتها الأحداث والوقائع بسبب عجزها وتخليها الإرادي عن القيام بواجبها في التأطير وفي تمثيل المواطنين”. وبين بوعمري أن “الاحتجاجات الأخيرة بالحسيمة كشفت تراخي الأحزاب في أداء دورها والبحث عن حلول ناجعة للخروج من مأزق الاحتجاجات الشعبية”.

ورفض العاهل المغربي كل الادعاءات التي بررت عجز الأحزاب في احتواء أحداث الحسيمة. وكانت هذه الادعاءات قد زعمت بأن هناك انقسامات بوجود تيار معتدل وآخر متشدد في التعاطي مع المسيرات غير المرخصة، مؤكدا أن “هناك في المغرب توجها واحدا والتزاما ثابتا هو تطبيق القانون واحترام المؤسسات وضمان أمن المواطنين وصيانة ممتلكاتهم”.

وشدد العاهل المغربي في الخطاب على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور، التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، مؤكدا أنه قد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدأ. فكما يطبق القانون على جميع المغاربة، يجب أن يطبق أولا على كل المسؤولين دون استثناء أو تمييز، وبكافة المناطق.

وقال بوعمري لـ”العرب” إنه “مع إنهاء اللجنة الملكية للتحقيق في عملها بخصوص مشاريع الحسيمة، ستكون هناك معالجة للآثار السياسية والقانونية على مستوى المسؤولين الذين ثبت تهاونهم في تنفيذ المشاريع التي قدموها أمام الملك”.

خطاب استثنائي

يرى محمد بودن رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية المؤسساتية أن “الخطاب كان استثنائيا حيث خصص بالكامل للشأن الوطني على غير عادة خطب العرش التي كانت تخصص أيضا لمنجزات السياسة الخارجية”.

عبدالمنعم لزعر: خطاب العاهل المغربي يجيب عن أسئلة اللحظة السياسية والمجتمعية

ويضيف “يمكن اعتبار أن هذا الخطاب سيكون بداية لحرب شرسة على السياسوية بسبب عدم تحملهم المسؤولية، كما أنه سلط الضوء على حقائق مغربية أرادت أطراف أن تبقي عليها في الظل”. ويقول “إن خطاب العرش لهذه السنة ارتكز على واقعية كامنة وقرارات قادمة وأكد تفاعلا ملكيا مع قضايا الواقع المغربي ومن بينها ملف الحسيمة، وبصريح العبارة يقدم الخطاب أسباب سير المغرب بخطى سريعة وهو يعلم أن ملفات عاجلة لا تحتمل التأجيل ولا عدم القدرة على الإنجاز ولا الاختباء وراء القصر الملكي”.

ويضيف بودن “يمكن وصف هذا الخطاب الملكي بالخطاب التعبوي ضد أصحاب المصالح الضيقة بحيث وضع السياسويين في الزاوية وهم الآن لا يحظون بالثقة الملكية ولا الثقة الشعبية . بحيث جاء الخطاب عميقا وموجها رسائل للساسة وكشف ما يجول في خواطر البعض الذين اعتقدوا مند زمن طويل أن التوجه البراغماتي يستوجب مخاطبة المغاربة بلغة خشبية أو لغة المونولوج وعلى حساب الأهداف الوطنية”.

ولفت بودن إلى أن “الخطاب عاد بقضايا بقيت بعيدة عن الأضواء الرسمية، وجعل المواطنين يشعرون بنشوة ممزوجة بترقب لما ستتبع مضامينه من قرارات ملكية”.

وما يمكن فهمه من الخطاب كذلك يتعلق بكون أن النجاح في أي مجال يستدعي المزيد من النجاح في مجالات أخرى، بمعنى استثمار كل إمكانيات البلد وصهر ذلك في مشروع وطني قائم على جبهة وطنية موحدة ونخب مؤهلة وإدارة ذكية وسياسة مواطنة وأمن يسهر على حماية المكتسبات ويحد من المخاطر.

ويشير بودن إلى المستوى الكرونولوجي حيث توجه الملك محمد السادس بخطاب العرش سنة 2016 في العاشرة صباحا، بينما حصلت سابقة في هذه السنة بتقديم الملك لموعد خطاب العرش في يوم 29 يوليو وفي الساعة التاسعة مساء على غير العادة، وعكس القاعدة المتعارف عليها أن خطب ذكرى المسيرة الخضراء وذكرى ثورة الملك والشعب، كانت كلها توجه في الغالب مساء، أما خطب العرش، فمنذ خطاب العرش الأول للملك محمد السادس في 30 يوليو 1999 الذي ألقي مساء، وخطب العرش تلقى في الساعة الثانية عشرة زوالا في أغلب السنوات منذ عام 2000 إلى غاية 2010.

ويضيف “تغير توقيت توجيه خطاب العرش جزئيا إلى الواحدة بعد الزوال في سنوات 2012 و2013 و2015 والثانية بعد الزوال سنة 2014 والثانية والنصف زوالا سنة 2011، وبحكم أن خطاب العرش يشكل لحظة سنوية لترسيخ الخيارات الكبرى للدولة، واستشراف التوجهات المستقبلية، ومشاطرة الشعب بالانشغالات العميقة للدولة.

ويذكر بأسس التعاقد والالتزامات بين العرش والشعب، فإن التركيز حول توقيت توجيه خطاب العرش له أهمية قصوى، وله أثر في تهيئة المواطنين لتلقي مضامين أبرز خطاب ملكي على مدار السنة”.

كاتب مغربي

7