خطاب العقل

السبت 2015/05/02

إزاء استمرار تواصل المقولات التي تنتجها أيديولوجيات التّخلّف والثبات، والتّسلط والاستبداد، والظلام والظلم، مع أشباهها ونظائرها المعتمة المخزونة في أقبية التّراث الثّقافي العربي النقليّ الرّاسخ على امتداد مراحل متعاقبة تربو على ألفية كاملة من أزمنة الاتّباع والتبعية، والاستبداد والاستعمار، والثّبات المهين على واقع تسلّطيّ استعماريّ ضار ومرير، كيف يمكن لخطاب العقل أن يؤصّل نفسه فكريا؛ عقليا ومنطقيا وإبداعيا وتنويريا، وأن يرسّخ حضوره وجودا فاعلا في وعي الناس، وفي الواقع الذي يتوقون إلى تغييره، وأن يوقد شعلة إطلاق مسيرة التغيير النّهضويّ محفّزا النّاس على الانخراط الفاعل في مساراته المتشعّبة والمتواكبة جميعا؟

لعلّ التجارب المتعاقبة التي خضناها، والتي ما انتهت إلى شيء سوى الفشل، أن تعلّمنا أنه ليس أيّ خطاب تنويريّ يستند إلى العقل، يكون هو خطاب التقدّم والنهوض والتحوّل الدائم، إلّا أن يفتح أبوابَ ثلاثةِ مداخل أساسية، وأن ينخرط في جميع المسارات التي ينفتح عليها، أو يوجبها أيّ مدخل منها، فمن جهة أولى ينبغي للخطاب التنويريّ ألّا يكفّ، أبدا، عن التواصل الحواريّ الخلّاق مع المكونات المنيرة في التّراث الثقافيّ العربيّ العقليّ، ليستلهمها جميعا في صوغ رؤيته النّهضوية الإبداعية المؤسّسة على المعرفة العلمية والعقلية الخالصة، وليعمّق ما اكتنزته هذه الرؤية من مبادئ وقيم ومكونات فكرية جوهرية.

وتأسيسا على هذه المبادئ والقيم، ينبغي لخطاب العقل أن يؤكّد، ضمن ما يؤكّده من حريات أساسية وحقوق إنسانية شاملة ومترابطة، حرية الإرادة الإنسانية في التفكير والاختيار والفعل، وأن ينهض، وفق ذلك، بتعريف مكوّنات هويّة الإنسان العربي الحرّ الجديد، وتحديد أسسها، ومنابعها، وتراتب أولوياتها، على نحو يفضي إلى رسم صورته الإنسانية الجوهرية العميقة التي لا يليق غيرها به كإنسان عربيّ تتجسّد هويّته وضّاءة، ومنفتحة على الحياة والنّاس، إذ تنعكس في مرآتين متناظرتين هما العروبة والإنسانية: ثقافة وحضارة، وتطلعا لاهبا لتفاعل خلّاق يثري حياة الإنسان ويسمو بحضارته وقيمته ومعنى وجوده في الوجود.

ومن جهة ثانية، وفي تواز متفاعل مع مراجعته الدّائمة لمنجزه الفكريّ المعاصر، وتفاعله الاستلهامي مع المكونات المنيرة في التراث الثقافيّ العربيّ المتراكم عبر القرون، ينبغي لخطاب العقل المنير أن يتابع، بدأب ومثابرة يتخطّيان العثرات ويقاومان العراقيل والصّعاب، مسارَه التأسيسي في إنجاز تحليل علميّ، متشعّب وعميق، للواقع القائم في “العالم العربي” على تباين الشروط الحاكمة في مجتمعاته وبلدانه العديدة.

ومن جهة ثالثة، ينبغي لهذا الخطاب أن ينخرط في حوار متكافئ طليق مع ثقافة الآخر المتقدم الحديث، وفكره التنويري، وأن يمعن العقل متبصّرا في قراءة التجارب التي خاضها هذا الآخر المختلف، في أيّ من قارات العالم وبلدانه، لينتقل عبر مخاضاتها، المريرة والنبيلة، من واقعه الذي كان قائما إلى واقع تطلّع إليه فحققه وجودا راسخا في الواقع، مدشّنا بذلك زمن انبثاق أزمنة حداثته الخاصّة، تلك النّاهضة على تفعيل ممكنات تجاوز الشّروط التي حكمت مجتمعاته، والفاتحة آفاق الانفتاح الدائم على التقدّم المطّرد، والتحول المتواصل، والحداثة المستدامة.

وبقدر ما هو مجاف للمنطق أن نجعل من “ماضي الأنا” مستقبلا قابلا للاستعادة، فإنه لمن غير المنطقي، أيضا، أن تختزل غاية التبصّر في تجارب الآخر المختلف في السّعي إلى محاكاة هذه التجارب على نحو يخلو من التّبصّر! فما الغاية التي يسوّغها العقل لمثل هذا التبصّر إلا الإفادة من معطيات هذه التجارب الحضارية، واستلهام دروسها المستفادة، سلبا وإيجابا، وذلك بما يتواءم مع ما خلصت إليه، أو ما ستخلص إليه، الدّراسات العلمية المعمّقة، والمتّصلة بتحليل الواقع العربي تحليلا متعدّد الحقول والمجالات والمستويات والأبعاد، وبما يستجيب للحاجة إلى اكتشاف “الحداثة العربية الخاصّة”، وتوفير الشروط الموضوعية والذّاتية، وتنمية الموارد البشرية والمادية والمعنوية الواجب توفّرها لتمكين المجتمعات العربية من تدشين زمن حداثتها، عبر الانتقال من الواقع القائم إلى الواقع الممكن في مجرى صيرورة حداثية وتحديثية عربية دائمة ومتجدّدة.

ناقد من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16