خطاب الكراهية المستتر خلف الوقائع يزدهر في "عصر ما بعد الحقيقة"

يرصد تقرير شبكة الصحافة الأخلاقية قضية خطاب الكراهية وخروجه عن النمط التقليدي، وهو ما يضع الصحافيين أمام إشكالية إعداد تقارير إعلامية مسؤولة عن وجهات نظر متعصبة ومثيرة للجدل قد تكون مستندة إلى وقائع حقيقية في الكثير من الأحيان.
الأربعاء 2017/02/22
الإعلام لا يستطيع منح الشرعية للعنصرية

لندن - يفرض “عصر ما بعد الحقيقية” جملة من التحديات الأخلاقية على الصحافيين والعاملين في قطاع الإعلام، ويضعهم أمام مسؤولية كبرى لترجيح الوقائع والرأي المستنير في مواجهة الدعاية والتضليل، إضافة إلى وضع حد لخطاب الكراهية والتعصب، الذي يطفو على واجهة الكثير من العناوين في وسائل الإعلام العالمية.

ويتعرض تقرير حديث لشبكة الصحافة الأخلاقية، إلى خطاب الكراهية الذي يختلف عن التصريحات المثيرة للجدل التي قد يعتبرها الآخرون أو مجتمعات أخرى مهينة، فهناك نوع آخر من الخطاب يتعامل معه الصحافيون، ويواجهون مهمة شديدة الحساسية في تمييزه، من أجل تفادي فرض رقابة على الكلام لمجرد أنه هجومي.

ويقول الكاتب والمدون رامون لوبو، وهو مراسل حرب إسباني لمدة 20 سنة، في البلقان والشيشان وأفريقيا والعراق وأفغانستان، إنه “من الجلي أن مسؤولية نزع السلاح الأخلاقي للصحافة المهنية، التي تم إضعافها في وجه دونالد ترامب وقادة آخرين مشابهين له؛ ذنب تتحمله وسائل الإعلام في حد ذاتها”.

لكن هذه القضية ليس من السهل معالجتها بالنسبة إلى الصحافيين، إذ يعتبر التعامل مع “خطاب الكراهية”، المستند إلى التصريحات التي تدعو إلى التحريض والعنف، مشكلة كبرى بالنسبة إلى غرف الأخبار، فكيف يمكن أن يعد الصحافيون تقارير إعلامية مسؤولة عن وجهات نظر متعصبة ومثيرة للجدل.

ويمكن أن يكون منع انتشار خطاب الكراهية في وسائل الإعلام صعبا عندما يأتي الكلام من شخصيات سياسية بارزة. لكن وفي الوقت نفسه، فإن تصريح شخص بشكل مسيء عن اللاجئين أو المهاجرين، ليس ذا أهمية خبرية بالضرورة، وهو فارق أو اختلاف مهم يجب على الصحافيين تذكره.

ويواجه الصحافيون أو المحررون إشكالية أخرى في إعداد التقارير عن الموظفين الرسميين الذين يدعون إلى التعصب، فالتغطية الإعلامية لهذه التصريحات المثيرة للجدل قد ترفع نسبة مشاهدة التلفزيون أو تجذب المزيد من القرّاء، ولكنها قد تضخّم أيضا هذه التصريحات لمنحها شرعية لا تستحقها.

ووضع التقرير قائمة إرشادات للصحافيين، تضم الاهتمام بما قبل النشر والحكم على الكلام إذا كان مبنيا على الواقع أو إذا ما كان تجاوزا للحدود وغير قابل للنشر، إضافة إلى التأكد من تفاديها لإثارة المشاعر، وبالتالي وضع ما يقال ومن قاله في سياق أخلاقي.

رامون لوبو: مسؤولية نزع السلاح الأخلاقي للصحافة المهنية ذنب يتحمله الإعلام

ولم تغفل الشبكة الحديث عن مساحة أخرى تزخر بخطاب الكراهية والتطرف والتعصب، وهي قسم التعليقات، فإذا لم يكن لدى المؤسسة الصحافية، الطاقم الإعلامي لمراقبة هذا القسم، أو أن المحررين يدركون أنهم سينشرون مقالا يرجح أن يجذب الردود البغيضة، فيجب على المؤسسة أن تبادر بإغلاق قسم التعليقات أسفل المقال.

وتطرح هذه القضية سؤالا حول ما إذا كان يجب على المؤسسات الإعلامية أن تستضيف نشاطا يظهر قدراتها على التعامل بمسؤولية؟ ويجيب التقرير: “المؤسسات الإعلامية التي تفهم هذا الواجب تقفل التعليقات على القصص التي قد تولد المزيد من النقذ اللاذع الذي لا تستطيع المؤسسات السيطرة عليه”.

وفي إطار القضية ذاتها، تظهر مسألة أخرى لا تقل أهمية عن التصريحات العنصرية أو التحريضية، وهي استخدام الصورة في تأليب المشاعر أو إثارة الرأي العام، حيث يعتبر نشر صور متداولة بكثافة حول العنف والموت، قضية أخلاقية بالدرجة الأولى، فبينما يواصل الصحافيون مثلا، إعداد التقارير عن الظواهر مثل الصراع السوري، أو الهجرة الجماعية وأزمة اللاجئين، سوف يستمرون في مواجهة معضلات عند أخذ الأخلاق بالاعتبار في التصوير.

وأثارت العديد من الصور جدلا كبيرا حول القضايا أكثر مما فعلته الآلاف من التصريحات أو الأخبار أو المقالات، فواحدة من أكثر الصور المتداولة في 2015 هي صورة جثة اللاجئ السوري ابن السنوات الثلاث والتي انتشرت بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي والصفحات الأولى في الصحف، أثارت نقاشا حول ما إذا كان نشرها أمرا جيدا أم لا.

وتوصي شبكة الصحافة الأخلاقية، المؤسسات الإعلامية بعدم التسرع في نشر صورة، لأنه وببساطة سوف تنتشر بشكل واسع على المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، لهذا على المحررين التراجع خطوة إلى الوراء والتفكير إذا ما كانوا بحاجة إلى تأمين إضافة مثل هوية المصور أو معلومات حاسمة وهو ما تفتقده الصورة.

كما تناول التقرير الذي نقلته شبكة الصحافيين الدوليين، موضوع التعامل بشكل صحيح مع المصادر والتحقق من الأخبار المتداولة على الإنترنت، وقدم دليلا موسعا حول كيف يمكن أن يتعامل الصحافيون بأفضل شكل مع مصادر معلوماتهم. واشترط لتأسيس علاقة جيدة مع المصدر، أن يكون الصحافيون شفافين إلى أبعد الحدود حول نواياهم والتأكد من أن المصدر يفهم ظروف المقابلة.

فإذا كانت المقابلة مع شاب أو شخص معرض للخطر، يجب على الصحافي التأكد من أن المصدر يفهم عواقب نشر المعلومات التي أعطاها.

ويتضمن الدليل أيضا أسئلة للصحافيين يجب أن يسألوها لأنفسهم عندما يتعاملون مع أي مصدر مجهول، وكذلك نصائح حول ماذا يجب أن يفعلوا إذا تم الضغط عليهم لكشف مصادرهم أو مشاركة المحتوى مع المصدر قبل النشر.

ونظرا إلى أن الصحافيين باتوا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات، فعليهم التحقق من أن ما من تعديل طرأ على الصورة أو الفيديو المأخوذ من وسائل التواصل الاجتماعي.

ويؤكد التقرير على تحديد والتواصل مع المصدر الأساس لمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل التثبت من أين جاء المحتوى وإذا ما كان يظهر حقيقة ما هو عليه.

18