خطاب روائي في هشاشة الهوية والتلاعب بالوعي

رواية المصري عبدالسلام إبراهيم “جماعة الرب” علامة بارزة في مشواره السردي، حيث من المتوقع أن تكون هذه الرواية هي الأبرز في العشر سنوات القادمة لعمق شخصياته، والموضوعات الجريئة، والقضايا المعاصرة الشائكة التي تطرحها.
الثلاثاء 2018/04/17
المشهد مضطرب جدا

صدرت مؤخرا عن دار عرب للنشر والترجمة في لندن رواية “جماعة الرب” للروائي والمترجم المصري عبدالسلام إبراهيم، وتأتي هذه الرواية بعد عشرة أعمال مترجمة، وخمسة أعمال سردية تنوّعت بين الرواية والقصة القصيرة، نذكر منها على سبيل المثال “الملائكة لا تأكل الكنتاكي” و”مسافة قصيرة جدا للغرق” و”كوميديا الموتى”. وقد انتهى مؤخرا من رواية جديدة تنتظر ناشرا جريئا لأنها تخوض -بحسب قوله- في مناطق وعرة في جنوب مصر لم يقربها أحد من قبل.

التلاعب بالوعي

تناقش رواية “جماعة الرب” مسألة الهوية والتلاعب بالوعي في ما بعد الربيع العربي في مصر بشكل خاص وبعض الدول العربية بشكل عام، وما طرأ عليها من تغييرات سياسية واجتماعية ومحاولة الربط بين سنوات ثورة 25 يناير وأحلام الشباب في التغيير وما بعدها والانكسارات والفجوات الكبيرة التي خلّفها الربيع العربي، وتتعرض لقضايا إعادة تشكيل المجتمع الأنثربولوجي في الأقصر المصري من خلال صحافيات شابات يعملن في جريدة مستقلة تعكس ما يحدث في الشارع المصري من أحداث سريعة ومتلاحقة تحتاج لصحافيين من طراز خاص وقارئ متطور يمكنه أن يؤدي دور الصحافي في إرسال الأخبار الجديدة للجريدة فيشارك في صنع الخبر الذي هو جزء أصيل منه.

وتستخدم رواية “جماعة الرب” مسألة الخصاء في مدينة الأقصر جنوب مصر بصورة مُتفردة، حيث تستعيد عمليات الخصاء القديمة، وقضية “الخصاء الكبرى” وربطها بالعمليات التي تجري بأشكال مختلفة على مر الأجيال ومحاولة ترميزها وإسقاطها لتعكس ما يتم في المجتمع المصري سواء كان عبارة عن مؤامرات خارجية أم مؤامرات داخلية ليخضع المجتمع المصري كله لعملية خصاء واسعة النطاق.

وتأتي فكرة الخصاء في رواية “جماعة الرب” كمعادل اعتباري لارتباكات الهوية بعد مآلات الربيع العربي المخيبة لآمال المثقفين، لا سيما مثقفي الداخل الذين عاشوا بشكل مباشر تطورات ارتدادات الربيع على وعي الكتل الاجتماعية على اختلاف مستوياتها.

ويؤكد عبدالسلام إبراهيم في حديثه مع “العرب” بأن “الرواية جاءت لتتقصى مسألة الهوية والتلاعب بالوعي وتفسر ما آلت إليه أحوال البلاد بعد ما يُسمى بالربيع العربي، بالرغم من طرحها مسألة الهوية على عدة مستويات فقد طرحتها شخصية نسرين السورية مع حبيبها قبيل ثورة سوريا، واحتدمت بداخلها مسألة الهوية وارتباكاتها بعد اندماجها في الأقصر مع عائلة منتهى النحاس، إلا أن مسألة الهوية صارت على المحك حينما رقصت نسرين ومنتهى الرقص الإيقاعي لتضعا مفهوما جديدا لمسألة الهوية وارتباطها بقضية العَلَم التي ترمز إلى طمس قضية العروبة ومحوها وخصوصا بعد الربيع العربي. وجاءت ‘جماعة الرب‘ لتتقصى مسألة ‘ثورة أم مؤامرة‘ وربطها اعتباريا بقضية الخصاء، وبالرغم من ذلك نجد أن قضية الخصاء تاريخيا مرتبطة بمحو الذكورة لوقف نمو الأجيال”.

هناك اضطراب شديد في المشهد الروائي المصري، صنعه كتاب جدد وكتاب متحولون من أجناس أخرى، إضافة إلى غياب النقد

ويتجلى الخصاء كعقدة لها علاقة بالتحليل النفسي، حيث يشير إلى خاصية تظهر في التركيبة النفسية البشرية عند الرجل والمرأة في الأعمار الصغيرة، وهنا يمكن استعارة نظرية سيغموند فرويد حين ذهب إلى أن هذه العقدة تظهر متى ما وقع نظر الصغير على أعضائه التناسلية فيفطن إلى الفارق بينه وبين الجنس الآخر، الأمر الذي يزيد من تمثلات السلطة الذكورية في التمسك بالعضو خشية فقدانه أو جرحه. ويلاحظ في رواية “جماعة الرب” اهتمام المؤلف بهذه العقدة ذكوريا، في حين غاب الجانب الأنثوي عنها.

وعن هذا الشأن يعلّق عبدالسلام قائلا “تنطلق مسألة الخصاء في الرواية من خلال سفر التثنية 22 ‘لاَ يَدْخُلْ مَخْصِيٌّ بِالرَّضِّ أَوْ مَجْبُوبٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ‘، وربط تلك التيمة بالثورتين المصرية والسورية من خلال شخصيتي مُنتهى الفتاة المصرية ونسرين الفتاة السورية التي فرت من جحيم النظام السوري لتمتزج في نسيج الواقع المصري الراهن مع استدعاء للواقع السوري قبل وبعد الثورة السورية وتعيد تركيبه من جديد ليزاوج المجتمع في الأقصر”.

ويتابع “موضوع الخصاء هو خطاب روائي هيمنت عليه الذكورة نظرا لكونها العنصر الفاعل في مسألة التناسل، وفي المقابل كانت مسألة تحقيق الذات قد وصلت لذروتها عند المرأة في الرواية، لكن لو أنك راجعت نهاية الرواية لوجدت أن الخصاء قد لاح للجانب الأنثوي وانتهت الرواية عند هذا الحد ولكن بصورة شابها الغموض حتى يستنتجها القارئ بنفسه، وفي نظري تعدت قضية الخصاء نظرية فرويد لأن الرواية تناولت الخصاء على عدة مستويات من الشخصيات حتى وصلت إلى الخصاء الفكري”.

وتحضر الميثولوجيا والتاريخ المصري القديم كمكوّن سردي أساسي في الرواية، الأمر الذي دفعني للسؤال عن قدرة التاريخ على استنطاق الواقع والاشتغال عليه عبر إعادة تمثلاته الواقعية الآنية في السرد الحديث.

التاريخ المصري القديم كمكوّن سردي أساسي في الرواية
التاريخ المصري القديم مكوّن سردي أساسي في الرواية

ويجيب إبراهيم “التاريخ القديم يفرض نفسه تلقائيا على الأحداث لأن بعض شخصيات الرواية تستدعيه للمشاركة في الفعل الروائي المعاصر، ولا يغيب عن ذهن القارئ أن الميثولوجيا تلعب دورا بارزا في تشكيل وعي الناس، إلا أن مسألة التاريخ القديم من خلال استدعاء إله قديم جاء ليعبده ثلة من البشر في معبد الكرنك للتشكيك في قضية مقهى الكفار في الفلكي التي ظهرت ما بعد ثورة يناير، وربطهما بمسألة التلاعب بالوعي التي شاعت في المجتمعات العربية، جاءت لتكون موازية لما جاء في سفر التثنية. وبالرغم من ذلك لم يهيمن التاريخ المصري القديم على الأحداث بالصورة التي تُحيل الرواية إلى الصبغة التاريخية وتفرغها من مفهوم المعاصرة التي أسس لها الخطاب الروائي منذ البداية”.

اضطراب سردي

يرى ضيفنا في سياق آخر أن “المتابع للشأن السياسي العربي كان يحسب بأن الأيديولوجيات اندحرت أو فشلت أو على أقصى تقدير خمدت، لكنها بُعثت من جديد بعد الربيع العربي ربما لتستفيد من المناخ الثوري الجديد من خلال فورة شباب يبحث عن واقع تؤثر فيه تلك الأيديولوجيات، وقدمت ‘جماعة الرب‘ نماذج من هؤلاء المؤدلجين في مقهى الفلكي أو مقهى الكفار الذي كان تحسب مُنتهى النحاس أنهم يمارسون طقوس كفر فيه، وبالرغم من وجودهم وتلاحمهم مع الشباب في الثورة إلا أنهم، في تقديري، لم يؤثروا فيهم بالطريقة التي كانوا يبغونها، لأنهم ظنوا أن أفكارهم لا تزال تجد صدا لدى الثوريين في كل العصور وقد سخر كارل ماركس نفسه في مشهد فانتازي في ‘جماعة الرب‘ من أحدهم الذي تبنى الأفكار الشيوعية”.

وعن قراءته للمشهد السردي المصري المعاصر يوضح ضيفنا بأن هناك اضطرابا شديدا في المشهد، ويرى أن الذي صنعه كُتَّاب جدد وكُتَّاب متحولون من أجناس أخرى، بالإضافة إلى غياب النقد.

ويقول معقبا “نظرا إلى وجود دوائر مصالح مشتركة بين نقاد وكتاب بأعينهم أدت إلى فقدان مصداقية النقد لدى المثقف وليس القارئ بشكل عام، ربما سبب هذا الاضطراب السردي ارتباكا لدى القارئ الذي صار يميل إلى متابعة كاتبه على مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يقرأ له رواية واحدة. وبالرغم من ذلك تجد أن الكتاب المتحققين يصدرون أعمالهم بشكل منتظم، وربما كان ذلك سببا في أن تكون في المشهد بارقة أمل في أن يتصدر المشهد السردي المصري المعاصر المشهد السردي العربي”.

15