خطاب ضبط الإيقاعات

الأربعاء 2016/11/09

لأول مرة في تاريخ المغرب الحديث والقديم يلقي العاهل المغربي خطابا رسميا بمنـاسبة وطنية من خـارج الحدود الجغرافية لبلده. خطوة يريد التأكيد من خلالها أن المغرب يعيد رسم حدود أخرى لبلده بمواصفات ومعايير مبتكرة وذات سياقات جيوبوليتيكية استشرافية. كان الخطاب من داكار عاصمة السنغال، هذا البلد الذي تجمعه قواسم مشتركة مع المملكة تاريخيا ودينيا واجتماعيا وثقافيا، وكانت الرسالة واضحة المعالم تؤكد أن هذه الخطوة بمثابة مسيرة خضراء أخرى نحو أعماق أفريقيا.

دائما كانت الخطابات الملكية ضابطة لإيقاعات العملية السياسية والاقتصادية والدبلوماسية للمغرب، إلا أن الأمر هنا مع خطاب الذكرى الـ41 للمسيرة الخضراء كان حمالا لرسائل واضحة للداخل تؤكد العزم على أن أفريقيا عامل مهم في معادلة العلاقات الخارجية للمغرب، وتشدد للخارج على أن هناك توجهات صارمة في تعاطي الرباط مع تحديات المنطقة الأمنية والاقتصادية والسياسية بتعزيز حضورها بالقارة السمراء استراتيجيا في كافة المجالات.

اختيار خطاب المسيرة الخضراء من داخل السنغال هو تأكيد على أن مسيرة التحرر وتثبيت أسس الاستقلال لا تحدها الكويرة جنوب المغرب، ولم يعد واردا محاصرة المملكة وتحجيم دورها داخل حيز ضيق جغرافيا وسياسيا، فالدستور المغربي تحدث عن جذور الرباط بأفريقيا وتقوية روابط الثقة والتعاون مع شعوبها، ومن داكار يتم تنزيل هذا التوجه لأهميته وراهنيته.

وهذا ما تم التأكيد عليه من طرف الرئيس السنغالي، ماكي صال، بالقول إن “اختيار صاحب الجلالة بلدا آخر غير المغرب، وتحديدا بلدا أفريقيا هو السنغال، لكي يوجه منه خطابا تاريخيا، يعبر عن دلالة العلاقة القائمة بين المغرب والسنغال، ومن الواضح أن للملك رؤية لأفريقيا ولما ينبغي أن يكون عليه مستقبلها”.

ماذا نقرأ في سياقات دمج خطـاب المسيرة توجيها يخص الحكومة المقبلة والمعايير التي أكد عليها العاهل المغربي بخصـوص أفريقيا؟ هنـاك ثلاث نقاط أساسية تهم هـذا السـؤال. من جهة نعتبـر أن خطاب الملك محمد السادس من داخل بلد له رمـزيته وموقعه داخـل القارة السمراء يركز على أهمية التـواصل المؤسساتي المغـربي ككل مع الجسم الأفريقي وشمولية النظرة الاستشرافية والمتقدمة، وخصوصا إصرار الملك محمد السادس على اهتمام الحكومة المقبلة بشؤون أفريقيا وتضمين برنامجها المقبل آليات تعميق وتقوية الاهتمام بدول تلك المنطقة، والرفع من الإيقاع الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي والتنموي داخلها.

ومن جهة ثانية، إشراك كل مكونات مؤسسات الدولة وقطاعاتها المختلفة في إنتاج لغة واحدة تتحدث بإيقاع واحد عن مصالح واحدة. مصالح متوازنة تهم المجال الحيوي للمغرب حتى لا يبقى رهين العلاقات مع الغرب أو الشرق، بل الذهاب بعيدا في تعميق حركته متعددة الأبعاد نحو القارة السمراء في إطار جنوب – جنوب.

وأخيرا هناك اهتمام الدولة المغربية البالغ في حرصها على استعادة مقعدها الشاغر بالاتحاد الأفريقي الذي اعتبره الخطاب الملكي منطقيا وليس تكتيكا مرحليا، أي أن على الحكومة المقبلة استيعاب هذا المعطى والعمل على ضم وزراء يهضمون جيدا هذا المسار والتهيء الجدي لمتغيرات المرحلة على كافة الأصعدة.

مسار يكون أساسه الدفاع عن مصالح المغرب ووحدته الترابية من داخل المجال الذي يتحرك فيه الخصوم، من خلال ضبط إيقاع الحكومة مع التحركات الملكية والعمل على نسج علاقات على عدة مستويات للاستفادة أفريقيا ومحاصرة مناورات الخصوم، وأيضا تيسير الظروف على أصدقاء المغرب للدفاع عن قضاياه من داخل الاتحاد الأفريقي.

نستخلص من هذا أن برامج المؤسسات المغربية، بجميع تفرعاتها، تحمل عقيدة الدولة بعدم القبول بمناطق رخوة على حدودها الجنوبية ضمانا للأمن القومي الذي يمتد إلى العمق الأفريقي كمجال واسع وحيوي للدفاع عن مصالحه ومصالح شركائه.

راكم المغرب تجربة وخبرة كبيرتين في الشأن الديني والأمني والاقتصادي، ويعمل على تبـادل المنـافع مع أصدقـائه وحلفائه ومن ضمنهم الأفارقة، وهذا ما عبر عنه خطـاب المسيرة الخضـراء في الذكـرى الـ41 من العاصمة داكار في ثامن زيارة إلى السنغال.

ويأتي محتوى الخطاب ومكان إلقائه متناغمين مع المقاربة المغربية لملفات حيوية تهم التنمية والثروات الطبيعية والبشرية التي تزخر بها القارة ككل وارتباطها بتغيرات المناخ، ولهذا ستعقد قمة أفريقية مصغرة على هامش مؤتمر كوب 22 بمراكش من 7 إلى 18 من هذا الشهر، قمة ستزكي، بالتأكيد، عقيدة المغرب تجاه أفريقيا ضمن معادلة “رابح رابح” على المدى القريب والمتوسط، وضبط توجهات المنطقة المستقبلية، والعمل على تقريب وجهات النظر في العديد من الملفات والتحديات الكثيرة.

ضبط إيقاع السياسة الداخلية والخارجية للمغرب لا يمكن أن يبقى حبيس منطق الغنيمة أو الصراع على فتاتها والتسبب في ضياع مصالح دولة لها التزاماتها تجاه مواطنيها وتجاه شركائها الدوليين، وعلى هذا الأساس لا يمكن عزل خطاب المسيرة في ذكراها الـ41 عن المتغيرات والمخاطر والتحديات.

ومن هنا نجد أن هناك ارتباطا قويا ومحوريا بين ما يعتمل داخل الساحة السياسية بالمغرب والديناميات المعقدة الجارية بمحيط المملكة المغربية، ولهذا كان الخطاب من داكار تذكيرا بأن السيادة المغربية ليست محل منازلة سياسية من الخصوم وغيرهم.

وأيضا كان الخطاب الملكي من العاصمة السنغالية رسالة ذات حمولة دينية، باعتبار الوزن الديني للعاهل المغربي، إلى دول تسعى بقوة إلى مد نفوذها المذهبي نحو العمق الأفريقي، لتفريغ المنطقة من نموذجها في التدين الـذي عرفته منذ قرون طويلة خلت.

فطبيعة التهديدات وتنامي الجيل الرابع من الحروب غير التقليدية كانت حاسمة في تحرك المملكة شرقا وغربا وإدارة الصراع بحسم وحزم في دوائر محيطها الجيوسياسي لمنع أي موجة مهددة لأمنها واستقرارها ضمن مجال تسعى بعض دوله إلى بسط نفوذها الإقليمي، ولو على حساب وحدة جيرانها بنهج سياسة التقسيم وتشجيع الانفصال.

كاتب مغربي

9