خطاب مفتوح إلى السيد باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأميركية

الاثنين 2016/04/04
القوة الأميركية الضاربة تعبر المحيطات لتخريب الدول

سيدي الرئيس

أودّ بهذا الخطاب المفتوح إلى سيادتكم أن أنقل إلى مسامعكم حزن أمّة يستعصي على البوح وألما يتكبّر عن الأنين. وما دعاني إلى كتابته رؤية أجساد أهلي أشلاء على طرقات مدننا، ودماؤهم مهروقة على أرصفتها، حتّى أصبحت لا تثير شفقة العالم بقدر ما تثير اشمئزازه.

في الخمسينات من القرن الماضي كنت طفلا في قرية يحيط بها العدم من كلّ ناحية في غياهب الصحراء في الجنوب الليبي، وكان ثلاثي البؤس من فقر وجهل ومرض يطبق علينا من كلّ صوب. وفجأة ذهلنا ونحن نرى ولأوّل مرّة كلّ تلك الزكائب المملوءة بالطحين وقد كتبت عليها “هدية الشعب الأميركي إلى الشعب الليبي”. فأصبحنا نتساءل من هو الشعب الأميركي الذي يبعث لنا بالخبز مجانا؟ كان تصوّري آنذاك بأنّه قرية مجاورة فاض فيها الخير فجادت علينا بشيء منه. ولكن هذه القرية الكريمة لم تكتف بذلك بل دشّنت في قريتنا مكتبة عامّة تحوي المئات من الكتب. غير أنّ الشيء الّذي لفت نظري وكذلك فضول أقراني كان خارطة العالم المعلّقة على حائط المكتبة. عندها فقط اكتشفنا ولأوّل مرّة أنّ القرية المباركة كانت بحجم قارّة، وأنّها تبعد عنّا الآلاف من الأميال، واسمها الولايات المتّحدة الأميركية.

هذه الذاكرة الطفوليّة حاولت استرجاعها في عقل الشيخوخة الذي أصبح يتساءل: كيف انتقلنا من تلك القرية المباركة التي ترسل الخبز والكتب إلى الدّولة العظمى التي حوّلت أوطاننا إلى مسرح لحروبها؟

لو لم أقرأ تلك الكتب التي أهديتمونا إيّاها لكنت سأجد جوابا ساذجا عن أسئلتي القلقة؛ كنتُ تصوّرت مثلا أنّكم قد بعثتم لنا بكلّ تلك الخيرات لتسمنونا قبل ذبحنا. ولكن كانت تلك الكتب قد حمتنا من مثل هذه الإجابات البدائية، فقد كانت رومانسية همنجواي و شتاينبنك وسير عظماء التاريخ مثل جورج واشنطن و لينكولن وعقلانية بركلي وجون ديوي وسانتانا قد منعتنا من السقوط في الإجابات الساذجة، ولكنّها في الوقت نفسه عزّزت لدينا عقلانيّة الأسئلة الموضوعيّة، فأصبحنا نتساءل كيف لتلك القرّية المباركة أن تغتال إله الرّحمة في داخلها وتتنكّر لمبادئها المعلنة وتخون فلسفة آبائها المؤسسين وتبدأ سياسة التغوّل واستعمال كلّ شيء بما في ذلك أجساد أبنائنا البؤساء وقودا لنار معبدها الامبراطوري؟

لم تجدوا أسلحة دمار شامل في العراق ولم تجدوا علاقات للنظام مع القاعدة بل بالعكس دخلت القاعدة بعد سقوط النظام

لم تدخل الولايات المتّحدة منطقتنا في الصراع أو في حروب الوكالة إبّان الحرب الباردة، وإنّما كلّ ما أحسسنا به آنذاك هو الدعاية لمبادئها والدعاية المضادّة ضدّ خصومها، ولذلك ما كنّا نشعر بهذه الحرب التي لم تكن تعنينا في شيء، حتّى تورط الروس في أفغانستان وأرادت أميركا أن تردّ اعتبارها بعد الهزيمة الفيتناميّة بهزيمة السوفييت من خلال الوكلاء. حينها فقط شعرنا بالخطر لأنّ بعض أولئك المرتزقة بالوكالة كانوا من أبنائنا الذين ما إن وضعت الحرب الأفغانية أوزارها بهزيمة الاتّحاد السوفيتي حتّى رجعوا إلينا يحملون خبرتهم القتاليّة، والأخطر يحملون إسلاما ظلاميّا متخلّفا أرادوا تطبيقه علينا بالقوّة.

وحل الحروب الأميركية

اللاّفت للنّظر يا سيادة الرئيس أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة بعد انتصارها في أفغانستان تركت ذلك البلد البائس تعصف به الحروب والأمراض والجوع وغضّت النظر عن تحكّم حلفائها، في القتال ضد السوفييت، بمصائر هذا البلد ينشرون فيه الرّعب ويمنعون النّساء من التعليم ويجندون الأطفال ويدمرون كلّ مظهر للحداثة. منذ تلك الفترة أضحت هذه هي سياسة الولايات المتّحدة الأميركيّة المكرّسة حتّى اليوم، أي إهدار المليارات من الدولارات في الدّمار، وعندما تتحقّق من بلوغ أهدافها تترك مسرح عمليّاتها القتاليّة المدمرة وتنكفئ على نفسها.

ولم تأبه بلادكم يا سيادة الرئيس بالبلاء الذي حلّ بنا حتّى جاء بعض من جنّدتموهم في تلك الحرب المقدّسة وهاجمكم في عقر داركم وكانت مأساة الحادي عشر من سبتمبر 2001 المروعة.

فماذا كان ردّ فعل بلادكم يا سيادة الرئيس؟ كان سلفك جورج بوش والمحافظون الجدد قد أقالوا عقولهم في إجازة مفتوحة واستعملوا دماغهم الانفعالي وأوصلوا الولايات المتّحدة إلى سفالة الغريزة الثأريّة فغرقوا معنا في وحل البدائيّة الهمجيّة التي كنّا نطمح أن تساعدونا في الخروج منها حسب مبادئكم المعلنة.

لقد أرسل سلفكم جيوشا جّرارة إلى أفغانستان لتقاتل حلفاء الأمس، فتقاتلتم وكان الضحيّة في كلّ الحروب ذلك الشعب المسكين الذي قد لا يدرك حتّى معنى الإرهاب. وهاكم اليوم تريدون أن تنسحبوا منه والحال لم يكن أفضل مما كان عليه عند قدومكم، ثمّ قام سلفكم بالاعتداء على دولة مسّتقلّة هي العراق بمبررات انكشف لاحقا أنّها أكاذيب ملفّقة، وقد خدعنا للمرّة الألف لأنّكم ذهبتم إلى تحرير ذلك الشعب من براثن الدكتاتوريّة وصفقنا لكم طويلا ولكن اكتشفنا الخديعة بعد أن استعنتم بعراقيي المهاجر الذين لم يكونوا بفعل المظالم التي حاقت بهم قادرين على أن يروْا أيّ شيء من دون نظارة الحقد والثأر.

التفجير والقتل يوميات العراق منذ الاحتلال الأميركي

وكان جرح الولايات المتّحدة النرجسيّ ما زال نازفا فاتّفق قراركم مع أهواء هؤلاء الحاقدين فسرّحتم الجيش والشرطة وفكّكتم المنظومة الأمنيّة فأسقطتم الدّولة مع النظام أو بمعنى أدقّ قذفتم بالمولود مع الماء الوسخ.

لم تجدوا أسلحة دمار شامل ولم تجدوا علاقات للنّظام مع القاعدة بل بالعكس دخلت القاعدة بعد سقوط النّظام من أوسع الأبواب. أمّا عن النّظام الديمقراطي البديل فها نحن نرى الفوضى المجتمعيّة البديلة. ثمّ خرجتم علينا يا سيادة الرئيس بنظريّة الولايات المتّحدة لمستقبل الشرق الأوسط بعنوان الفوضى الخلّاقة، وهل ثمّة فوضى تخلق غير العبث والعدميّة؟

الربيع العربي

نعم لقد امتطى الربيع العربي صهوة الفوضى الأميركيّة الخلّاقة فسقطت الكثير من الأنظمة الدكتاتوريّة ثمّ سقط الربيع العربي نفسه تحت سنابك الفوضى الّتي تحوّلت إلى تسونامي لا يبقي ولا يذر.

كنّا نعتقد أنّ الخطأ الذي ارتُكب في العراق استثناء لن يتكرّر، ولكنّنا رأينا إصرار الولايات المتّحدة على اعتباره قاعدة واجبة التعميم من خلال تدخلها في ليبيا. وصفّقنا للمرّة الثانية لهذا الفارس الآتي من وراء البحار لإنقاذنا من نظام دكتاتوري استولى على مقدرات الشعب لأكثر من أربعة عقود وعاث في الأرض فسادا بتحالفاته المشبوهة مع كلّ من يريد أن يقتل أو يخرب، ولكن ما إن خرجت آخر بندقيّة لذلك النظام حتّى غادرتم ليبيا لتسقط في قبضة الإرهاب والسراق وقطّاع الطرق، ولم تلتفتوا وراءكم لتروْا حجم الدّمار والفوضى اللذين حلّا بذلك الشعب المسكين ولم تمدّوا له يد المساعدة من أجل إقامة دولة بديلة عن تلك التي أسقطتموها بفعل أساطيلكم.

كان هدفكم المعلن هو استنبات عشبة الديمقراطيّة في تربة الوطن العربي. يا له من عنوان جميل اختبرناه على مدى تاريخنا القديم والمعاصر، فقد كان كلّ الغزاة منّا ومنكم يستعملون واجهات جذّابة لإخفاء مطامعهم وأهدافهم التي يخجلون منها، فكانوا دوما يبتكرون الغايات النبيلة لتبرير اعتداءاتهم مرّة بذريعة التبشير بالدّين الحقّ، ومرّة أخرى بإخراج المعتدى عليهم من البربريّة إلى الحضارة، وفي هذه المرّة استنبطوا كتعلّة مساعدة شعوب الشرق الأوسط على الولوج إلى عصر الديمقراطيّة.

سيدي الرئيس هل لك أن تتصوّر الولايات المتّحدة الأميركية بلدا ديمقراطيا إذا كان شعبها مقسّما إلــى قبائل أنجلوسكسونيّة وأيرلنديّة ومكسيكيّة وإيطاليّة وعربيّة أو أنّها منقسمة إلى طوائف كاثوليكيّة وبروستانتينيّة وإسلاميّة وبوذيّة؟ هل يمكن للديمقراطيّة أن تزدهر في مجتمع أهلي لم يترقّ إلى مجتمع مدني؟

ديمقراطيتكم الموصوفة لمجتمعاتنا وفي ظروفنا الثقافية والاقتصادية والتربوية والدينية معول تفتيت ما تبقى من الأوطان

هل كانت من الممكن إقامة الديمقراطيّة في الغرب إذا لم تحدث النقلات النوعيّة الكبرى في مجتمعاتها كحركة الأنسنة والإصلاح الديني وعصر النهضة والأنوار والثورات الصناعيّة الكبرى؟

كيف تريدون يا سيادة الرئيس أن نقيم الديمقراطيّة في بلادنا قبل أن تحدث لدينا قطيعة معرفيّة مع أفكار وقيم العصر الوسيط التي نكرّسها في حياتنا اليوميّة في القرن الحادي والعشرين؟

كيف يمكن أن نقيم الديمقراطيّة في بلادنا التي لم تعرف الحكم الرشيد الذي يطوّر الشعوب من خلال التنمية المستدامة من دون فساد ويطهِّر مناهج التعليم من أحكام فقهاء قد لوّنوا خارطة العالم إلى لَوْنين، لون الحقّ ولون الباطل، لون يسكنه الموالون ولون يسكنه الأعداء؟

كيف نستنبت الديمقراطيّة في بلادنا التي لم تتعرّف حتّى اليوم على ثقافة التسامح، وهذا حتى لا نتكلّم عن بذخ ثقافة المساواة؟

كيف للديمقراطيّة أن تكون في أوطان لا تعترف بالمواطنة ولا تزال تميّز بين رعاياها على أساس اللّون والعقيدة والجنس والعرق؟

المحصّلة يا سيادة الرئيس أنّ ديمقراطيتكم الموصوفة لمجتمعاتنا اليوم وفي ظروفنا الثقافيّة والاقتصاديّة والتربويّة والدينيّة ما هي إلّا معول هدم لتفتيت ما تبقى من الأوطان، وهي سلاح من أسلحة الدّمار الشامل الذي سوف يقضي على فكرة الدولة الوطنيّة ليرجعنا من جديد إلى التناحر والاقتتال القبلي والطائفي.

إنّ الديمقراطيّة يا سيادة الرئيس ليست وصفة صالحة لكلّ الشعوب بمنأى عن الشروط الموضوعيّة لمجتمعاتها، بالرّغم من أنّها أمل يجب أن تهفو إليه نفوس كلِّ البشر، لأنّها الصيغة الوحيدة لإمكانيّة التعايش السلمي بين البشر، ولذلك كان حريّا بكم أن تساعدوا و تشجعوا الحكم الصالح في مثل هذه المجتمعات لتتأهل ذات يوم لاستقبال الديمقراطيّة.

هل كانت من الممكن إقامة الديمقراطية في الغرب إذا لم تحدث النقلات النوعية الكبرى في مجتمعاتها

قد تتهمني بعض النخب في الغرب بممارسة العنصريّة ضدّ أبناء قومي بدعوى أنني أنفي قدرة الإنسان العربي، من حيث التكوين، على الأخذ بفكرة الديمقراطيّة، وهذا ما يجب توضيحه على الفور، حيث أنّي لم ولن أقول بعدم صلاحيّة أيّ مجتمع بشري للديمقراطيّة بما في ذلك شعوبنا العربيّة، بل بالعكس أعتبر أنّ الديمقراطيّة هي بمثابة البلسم الشافي للصراع الإنساني سواء كان داخل المجتمعات أو خارجها، ولكن كلّ ما وددت قوله ولفت الانتباه إليه هو أنّ مجتمعاتنا العربيّة وفي ظروفها الموضوعية الراهنة غير قادرة على بناء تجربة ديمقراطية؛ وحتى يحدث ذلك لا بد من تحوّلات ثقافية واجتماعية وتربوية واقتصادية لم تتحقّق حتّى الآن إلّا إذا اعتبرتم يا سيدي الرئيس أن الديمقراطية التي تتكلمون عنها هي ديمقراطية مختلفة عن ديمقراطيتكم كديمقراطية ولاية الفقيه في إيران.

سيدي الرئيس، كلّ ما أخشاه هو أن يضع التاريخ الغرب ونخب الغرب السياسية والثقافية في قفص الاتّهام بتهمة العنصريّة، نتيجة لمحاولتها استنساخ القيم الغربية الحداثيّة في مجتمعات غارقة في القدامة، وتبني سلوك الغرب المتباهي بمركزيته الكونية على الهامش المختلف عنه في درجة تطوره. إنّ العنصرية سيدي الرئيس هي إيمان شخص أو مجتمع ما بأنه يملك الحقيقة المطلقة معتبرا سلوكه وأيديولوجيته وفلسفته الحياتيّة نهجا يجب أن يسير عليه النّاس ويعتمد نفسه معيارا للحقّ والخير والجمال.

صحيح إنّها ليست عنصريّة بمعناها القديم في التّاريخ أي بمعنى أنّها لا تقول بأن من لا يملك تلك الصفات والمعطيات غير متحضر أو لا يدخل في البشريّة المصطفاة ممّا يعني سلب بشريّته تمهيدا لإبادته، ولكنّها عنصريّة كذلك عندما تهدف إلى قيادة الآخرين إلى الجنّة بسلاسل، أو تطلب من الطّفل الذي يحبو أن يقف ويسير على قدميه. إنّها عنصريّة من نوع جديد ويمكن أن نطلق عليها اسم “العنصريّة الإيجابيّة”، ولكنّها عنصريّة على أيّ حال.

سيدي الرئيس، لم يبق لي غير مناشدتكم إعادة النظر في استراتيجية الفوضى الخلّاقة التي كرستموها في أوطاننا، ونطلب منكم المساعدة بالحفاظ على ما تبقى من دول المنطقة التي لم تعصف بها هذه الكارثة ومعاونة حكامها على إرساء قواعد الحكم الصالح.

كل ما أطمح إليه، وأنا في خريف العمر، هو أن يرى أحفادي الولايات المتحدة الأميركية كما رأيتها في طفولتي رمزا للإخاء ومنبع خير للمنكوبين.

كاتب ليبي

7