خطاب نتنياهو والحلف الأميركي الإيراني

السبت 2015/03/07

وقف نواب وشيوخ الكونغرس الأميركي وصفقوا لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو 44 مرة، خلال إلقائه خطابه المندد بأي اتفاق أميركي مع إيران بشأن مشروعها النووي. أعاد نتنياهو عرض مخاوفه من أن يؤدي هذا الاتفاق إلى تمكين إيران من صناعة سلاح نووي في فترة السنوات القادمة، ما يشكل خطرا كبيرا على أمن إسرائيل. ذهب أبعد من ذلك حين أعلن أن إسرائيل ستدافع عن أمنها ولو كانت وحيدة، في إشارة إلى استعداده لشن حرب على إيران دون موافقة أميركا.

كان من اللافت أن صحيفة هآرتس الإسرائيلية اعتبرت في تحليل لها أن التهديد الإسرائيلي بضرب إيران ليس سوى كلام دعائي، كما ركّزت على أن إيران ليست عدوا مجنونا كما يعتقد معظم الإسرائيليين، بل إن هناك مصالح مشتركة كبيرة بينها وبين إسرائيل فقد اعتمدت إيران على “الفزاعة الإسرائيلية” للحفاظ على حكمها، وكذلك سمح التهويل بشأن إيران للسلطة الإسرائيلية بضمان استمرار سيطرتها على الأراضي الفلسطينية.

ما يزعج إسرائيل، فعلا، هو في ذلك الحلف الذي بات واضحا بين أميركا وإيران، والذي سمح بالظهور العلني لقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني كقائد فعلي للمعارك ضد تنظيم داعش في العراق، وهو الأمر الذي شدد نتنياهو في خطابه أنه لا يكفي لتحسين صورة إيران.

تخشى إسرائيل أن تفقد دورها الحيوي، وأن تصبح واحدة من مجموعة دول يناط بها تقاسم النفوذ في المنطقة، فقد اعتادت أن تتصدر مصالحها سلّم أولويات السياسة الأميركية، لا بل اعتادت أن تكون صانعة ومحددة للسياسة الأميركية.

لم تعد الأمور تجري على هذا النسق في ظل حكم أوباما الذي ينتهج سياسة ترمي إلى التحالف مع الأقليات في المنطقة، وتوحيدها تحت قيادة إيران لمحاربة تنظيم داعش.

حلف أوباما والمرشد الأعلى هو ما يخيف نتنياهو، إذ أن نجاح إيران عبر تحالفها مع أميركا في ضرب داعش سيخلع عنها ثوب الإرهاب، ويمهد ليسفقط لرفع العقوبات عنها، ولكن لتحالف أوسع من شأنه أن يعطيها دورا كبيرا، ويمهد لها لبسط نفوذها على كل المنطقة.

إيران تطالب برفع كامل للعقوبات كثمن لإنجاز الاتفاق النووي معها، ويبدو أن الأمور سائرة في هذا الطريق، حيث سيصار إلى رفع تدريجي للعقوبات، وفي حال التوصل إلى اتفاق نهائي سيتم الوصول إلى رفع تام للعقوبات.

رفع العقوبات من شأنه تمكين النظام الإيراني القائم ووهبهُ انتصارا يحتاج إليه بشدة من أجل تثبيت دعائمه، وكذلك من أجل تفعيل انغماسه في حروب المنطقة التي بات يسيطر على عدد من عواصمها، ما يعني مزيدا من التأزم والتصعيد.

يعكس هذا المنطق سياسة أوباما التي تسعى لشن حروب بالوكالة. يعتقد الرئيس الأميركي أن هذا الخيار يجعل جميع اللاعبين في المنطقة خاضعين للسياسة الأميركية. خشية الخليج من التمدد الإيراني ستجبره على الركون لتمكين التعاون مع أميركا والخضوع لشروطها، وكذلك الحال مع إيران التي تحارب الإرهاب لصالح أميركا. إسرائيل كذلك لا تستطيع القيام بعمل منفرد ضد إيران، ولو كانت تعتبر الاتفاق على مشروع إيران النووي صفعة لها، لكنها لا تستطيع سوى أن تطلب رضا الإدارة الأميركية، وكذلك تركيا الباحثة عن استعادة أمجاد الخلافة العثمانية.

التنافس والتحارب يدوران بين هذه الأطراف على الأحقية بتقاسم النفوذ والفوز بالتوكيل الأميركي للعب دور شرطي المنطقة.

إذا افترضنا أن حلف أميركا مع إيران نجح في القضاء على داعش، فما هي النتيجة المنتظرة من ذلك. هل ستصبح المنطقة مسرحا لإسلام الولي الفقيه بكل طيبة خاطر، أم سيتم استبدال الداعشية السنية بالداعشية الشيعية وحسب، ما سيجعل من أي تجمع سني في العالم مسرحا لإنتاج الداعشية التي لن يقتصر نشاطها على المنطقة، بل ستشمل نشاطاتها العالم كله.

تحول داعش إلى شكل حياة، ونجح في صناعة إغواء ينافس النموذج الأميركي، فكما أن هناك الـ”أميركان دريم” هناك الـ”داعش دريم”. إذا كان الحلم الأميركي قد مكن نفسه من خلال الهول الفائق في استخدام الصورة، فإن تنظيم داعش قد أثبت تفوقا هائلا في هذا الميدان، حيث نجح في جعل منطق إنتاج الصورة الأميركي وسواه نوعا من الفعل الممل، الضعيف والمفتقد للحيوية والإثارة.

دفع داعش منطق الصورة إلى أقصى حدوده، وبات بذلك مـاثلا بقوة في روح العالم المعاصر وفي عقله. اختيار إيران للتحالف معها من أجل القضاء على داعش يشبه التحالف مع شيطان بدائي من أجل القضـاء على شيطـان جديـد لامـع وديجيتالي.

نتنياهو يريد دورا في المنطقة، لكنه ليس مستعدا لانتزاعه بالقوة وتركيا والخليج كذلك، لذا لن تصب جهود كل هذه الدول سوى في مزيد من الانخراط في الصراع الفعلي الدائر بين طرفين مقاتلين هما داعش وإيران.

هذا يعني أن التصعيد سيكون سيد المرحلة، وتاليا لن يكون معيار قياس النتائج المترتبة عن هذا التصعيد هو في مدى تقدم وتراجع كل من إيران وداعش، ولكن في ما سينتجه انتصار أي منهما من سيادة للمنطق نفسه الذي سيكرس واقع الأزمات والحروب إلى ما لا نهاية.

تخوض أميركا، التي باتت طرفا في الصراع القائم وليس حَكَما، بالتحالف مع إيران حربا للحرب. تعتقد أن الجميع سيثخنون بالجراح ويأتون إليها في نهاية المطاف خانعين عاجزين، ولكن ما لم تلتفت إليه إدارة أوباما أن عقل تفجير الحدود جاهز لنقل المعركة إلى قلب أميركا ولإنتاج نسخ مضخمة من 11 سبتمبر. ماذا سيفعل السيد أوباما عندما يبدأ الداعشيون بتفجير أنفسهم في قلب وول ستريت؟ هل سيجلب الجنرال سليماني لمقاتلتهم؟

ربما لا يهتم أوباما كثيرا بالإجابة عن هذه المسألة، فهو يريد أن يكون الرئيس الذي أنهى حقبة طويلة من الخلافات مع إيران، أما النتائج المترتبة عن هذا الأمر فسيتركها كمادة تفجيرية لعهد الرئيس الجمهوري القادم.


كاتب لبناني

9