خطايا المقاومة والشعارات الزائفة

الثلاثاء 2017/05/30
مقاومة أم ارتهان

للمقاومة تاريخ تليد وموكب من الشهداء مبعث فخر، لكن سلوك قادة داخل صفوف المقاومة بات مؤخرا مصدر إساءة للمقاومة، ويمكن للمدقق أن يربط بين هذا التحول الذي صب بالطبع في مصلحة إسرائيل كثيرا ومنحها سنوات من الهدوء، باستثناء أسابيع قليلة تكبد فيها أبرياء خسائر فادحة للغاية ولم يتم المس بنفس القادة من قريب أو بعيد.

نقطة الانطلاق نحو الاستفاقة تبدأ بدخول بعض الدول العربية على خط المقاومة، سواء في لبنان أو فلسطين بأجندة مختلفة تقاطعت مع جهود إسرائيلية أزاحت من المشهد، بالاغتيالات، الشيخ أحمد ياسين وخليفته عبدالعزيز الرنتيسي، وفي المقابل تم “تلميع” خالد مشعل ومجموعة معيّنة على طريقة “صناعة النجم” أو “صناعة البطل”، وبشكل مواز تم احتضان حسن نصرالله إعلاميا.

خطايا المقاومة في ثوبها القطري مثلا (وفرت الدوحة الإقامة والتمويل والدعم الإعلامي) تتمثل في محورين أساسيين؛ أولهما منح أولوية مطلقة للوصول إلى السلطة، فمن أجل هذا الهدف تم الاصطدام الدموي بحركة فتح في غزة وتم إلقاء العديد من المعارضين من فوق أسطح البنايات، وسرعان ما تم تبني نفس النهج الذي كانت تتهم حركة فتح باتباعه متمثلا في تعيين الأتباع والأنصار في الوظائف الحيوية، ثم ركوب السيارات الفارهة والإنفاق المبالغ فيه على مظاهر السلطة من مقرات ومهرجانات دعائية، وإعلام موجه في المقام الأول لضرب الآخر الفلسطيني وليس العدو الإسرائيلي.

تضررت شعبية المقاومة لانحراف البوصلة، بل والقضية الأساسية ذاتها لدى البلدان العربية بسبب شعارات لقادة في حماس وحزب الله ندفع ثمنها باهظا

في نفس السياق لم يتم إجراء انتخابات جديدة أو تحقيق مصالحة حقيقية لأنها تعني اقتسام السلطة مع الرئيس محمود عباس أبومازن، لذا لم تسمح قيادة حماس للحرس الرئاسي بالتواجد في منفذ رفح، وفضلت المزيد من التشبث بالسلطة حتى ولو كان على حساب المتطلبات الإنسانية لأهل غزة.

إذا أمعنا النظر في المشهد اللبناني نجد أن الأمر ينطبق على حزب الله، حيث همّش حركة أمل الشيعية ورفض وجود مقاومة بجانب مقاومة حزب الله بحجة أن عناصر حزب الله أكثر دراية بالأرض، بالتالي سيطروا على المناطق الحدودية كما سيطروا على المطار وعملية الدخول والخروج وشبكات الاتصالات، وشلوا حركة الحياة باعتصام استهدف الوزارات مما عطل اختيار رئيس للبنان.

الخطيئة الكبرى للمقاومة، ولعلها محل مراجعة حاليا لدى بعض الدوائر في إطار النقد الذاتي، هي التدخل في شؤون الآخرين، حيث روّجت قيادات في “مقاومة حماس بلباسها القطري” إلى أن الطريق الأمثل لضرب إسرائيل يبدأ بضرب مصر، وهو منطق مختلف عن كل الثوابت الوطنية ولن يحقق سوى ذوبان الفلسطينيين والقضاء على مشروعية مطالبهم، فقد رأت قيادات في حماس أن هناك مشكلة في غزة وأنه يجب أن يتم حل هذه المشكلة باجتياح الحدود المصرية.

بالفعل تم اجتياح الحدود في 23 يناير 2008 بجرافات وتدفق مئات الآلاف من الفلسطينيين على سيناء، بعد أن أحجمت القوات المصرية عن التصدي لهم، وكانت المقاومة تراهن على وقوع مذبحة يدفع ثمنها أبرياء، ويتم استغلالها إعلاميا ثم يتم الدخول في معركة جانبية طويلة مع مصر تلهي عن المعركة الأساسية مع الاحتلال المسؤول الأول عن جرائمه، وكأنّ في هذا تنفيذا عمليا لأحلام جيورا أيلاند وشارون بخصوص “غزة الكبرى”، وهو ما كان الإسرائيليون يخططون لإقناع الفلسطينيين والمصريين به، تارة بمبررات إنسانية وتارة تحت ستار تبادل الأراضي، أي أن المقاومة هنا قدمت حلا إسرائيليا بامتياز.

تدخل المقاومة الحمساوية بثوبها السافر تمثل كذلك في تدخلها الفج في الشأن المصري حين استشعرت وجود ارتباك، فاستغلت الغضب الشعبي السلمي وقفزت على السجون بعناصر مدرّبة واقتحمتها لتخرج كوادرها وكوادر حلفائها من مقاومين مدت الولايات المتحدة لهم يد الدعم متمثلا في جماعة الإخوان المسلمين وشركائها من جماعات منبثقة عنها.

تدخل حزب الله في الشأن السوري تم أيضا بفجاجة ولدرجة لم يعد معها من السهل أن نفهم هل حضر حزب الله للتصدي لمرتزقة من 100 جنسية عبثوا بأمن سوريا ونشروا التطرف في أنحائها، أم العكس هو الصحيح، ناهيك عن ترسيخ البعد الطائفي في الصراع.

مقاومة الاستعمار ليست شكلا واحدا، وما يطلق عليه الكفاح المسلح يجب أن يتم بالتوافق فنقاوم جميعا أو نفاوض جميعا، أما لعبة التفتيت والسعي نحو السلطة بأي مقابل والتدخل في شؤون الأشقاء، فهي خطيرة ولا تخدم سوى إسرائيل وأبسط دليل على ذلك تضرر شعبية المقاومة لانحراف البوصلة، بل والقضية الأساسية ذاتها لدى البلدان العربية بسبب شعارات لقادة في حماس وحزب الله ندفع ثمنها باهظا.

12