خطبة الأطفال انتهاك لحقهم في اختيار شريك الحياة

الخطبة المبكرة ميراث أسري يحكم على الزيجة بالفشل  في المستقبل.
الجمعة 2020/11/13
حجز الطفلة مبكرا لأحد صغار العائلة يحول دون خطبتها من الغرباء

دفع وجود مباركات دينية لخطبة الأطفال، بزعم أنها تمنعهم من الوقوع في الخطيئة مستقبلا، الأسر المصرية إلى اعتمادها بشكل مكثف في ربط علاقات المصاهرة. ولم تعد خطبة الأطفال مجرد حالات فردية، بل صارت منتشرة على نطاق واسع في مناطق ريفية وشعبية وقبلية. إلا أن استشاريي العلاقات الأسرية يعتبرونها انتهاكا عائليا صارخا لحق الطرفين في اختيار شريك الحياة بشكل عقلاني بناء على التوافق الفكري والعاطفي والجسدي.

القاهرة – لم تعد وقائع خطبة الأطفال في مصر مجرد حالات فردية، بل صارت منتشرة على نطاق واسع في مناطق ريفية وشعبية وقبلية، أمام غياب القانون الذي يجرّمها ولا يردعها، ووجود مباركات دينية تبيحها تدفع الأسر إلى التعاطي معها وتغريها بمزايا أن يكون الصغار على علاقة شرعية في سن مبكرة بزعم أنها تمنعهم من الوقوع في الخطيئة مستقبلا.

وأصبح ممكنا مشاهدة مجموعة صور ولقطات فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي، لطفلة ترتدي فستان الخطبة ولم يتجاوز عمرها العشر سنوات، وتجلس إلى جوار عريسها الصغير الذي لا يزيد سنه عن 12 عاما، ومن حولهما أفراد من الأسرتين يتراقصون ويحتفلون ويقدمون التهاني على أصوات الزغاريد وأغاني الأفراح.

قد تعتقد من الوهلة الأولى أن الحفل لا يعدو كونه دعابة أسرية لإسعاد الطفلين لأسباب معينة، ثم تكتشف أن مراسم الخطبة سارت بشكل رسمي، وقام الصغير بتقديم “الشبكة” إلى صغيرته، وكلاهما ارتدى خاتم الخطوبة كإعلان رسمي على ارتباطهما والاستعداد لإبرام عقد الزواج في أقرب فرصة، عندما تقرر الأسرتان ذلك.

ويصعب فصل وقائع خطبة الصغار عن العادات والتقاليد والموروثات البالية التي تؤمن بها شريحة من الأسر، بأن يتم حجز الطفلة مبكرا لأحد صغار العائلة، وقطع الطريق على الغرباء للتقدم لخطبتها مستقبلا، وتنتشر هذه الأفكار بين أسر لديها جذور قبلية ترى أن زواج البنت خارج العائلة تصرف ربما يرقى إلى مرتبة الجريمة.

ولا تقتنع الأسر التي تؤمن بالخطبة المبكرة للأطفال بأن الخطوة تصادر حق الصغار في اختيار شريك الحياة المناسب لاحقا، إذ يتم استثمار عدم درايتهم بما يجري لصغر سنهم لإجبارهم على الارتباط من أشخاص بعينهم بطريقة “الحجز” دون إدراك لتداعيات ذلك عليهم بعد سنوات وشعورهم بأنهم تعرضوا إلى خدعة كبرى.

وفي هذا النوع من الارتباط، يصعب فسخ الخطبة لأي سبب باعتبار أن الاتفاق بين العائلتين كان عبارة عن “كلمة شرف”، ولا يجوز خرقها أو التنصل منها، وقد يترتب على إنهاء العلاقة من أي طرف أن تصبح أسرة الطفل أو الطفلة، منبوذة من باقي أفراد العائلة لأنها أخلّت باتفاقها ولم تلتزم بكلمتها وميثاق العهد الذي التزمت به.

إنهاء علاقة الخطبة من أي طرف يترتب عليه نبذ أسرة الطفل أو الطفلة من باقي أفراد العائلة لأنها أخلت باتفاقها ولم تلتزم بالعهد

صحيح أن بعض وقائع خطبة الأطفال تم فسخها بعد تدخل المجلس القومي للأمومة والطفولة بمصر، لكن التحرك الرسمي يرتبط بظهور صور وفيديوهات لحفل الخطوبة في وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ويتحول الأمر إلى قضية رأي عام، وحينها يتم الاتفاق وديا مع الأسرتين على إنهاء العلاقة دون عقوبات، ولكن ماذا عن العشرات من الحالات التي لا تظهر للعلن؟

المشكلة ليست في فسخ الخطبة بناء على تدخل رسمي، بل في “كلمة الشرف” التي تلتزم بها الأسرتان، بأن تكون هذه الطفلة محجوزة لذلك الطفل، وغالبا ما تكون العلاقة قائمة دون إنهاء، كما ترغب جهات حكومية، ويتم استكمالها سرا، وقد يترتب عليها الزواج المبكر، طالما أن الإشهار الشرعي حدث في حفل الخطبة.

وقال جمال فرويز استشاري الطب النفسي لـ”العرب”، إن الخطوبة المبكرة للأطفال انتهاك عائلي صارخ لحقهم في اختيار شريك الحياة بشكل عقلاني بناء على التوافق الفكري والعاطفي والجسدي، بعيدا عن إجبار الصغار على أن يكونوا أسرى في سجن علاقة زوجية لم يشاركوا بآرائهم في تفاصيلها.

وأضاف “أغلب زيجات الخطبة المبكرة محكوم عليها بالفشل، لأن كل طرف عندما يكبر في السن ينتابه الشعور بالخديعة وسوء الاختيار والندم على الانصياع لرغبة أسرته، وهنا يضطر إلى تعويض الناحية العاطفية بالخيانة نظرا لغياب التوافق مع شريك حياته، وقد يلجأ إلى سياسة افتعال الأزمات حتى يدفع الطرف الآخر إلى طلب الطلاق”.

وهناك من يعارض الخطوة لأسباب ترتبط بشحن الصغار بتطلعات مبكرة نحو الجنس الآخر، فالطفل الذي يعيش فترة الخطوبة يسعى إلى ممارسات جنسية على سبيل التجربة ليثبت أنه جدير بلقب الرجولة، وغالبا ما تنتهي محاولاته بالفشل لأنه لم يصل إلى مرحلة البلوغ بعد، ويبدأ بإيهام نفسه بالعجز ويصاب بحالة نفسية سيئة.

وأزمة بعض الأسر، أنها تتعامل مع خطبة الأطفال كميراث عائلي، أو كالتزام أخلاقي بتنفيذ وصية الآباء والأجداد، ففي أحيان كثيرة يُلزم الجد أو الجدة أولادهما بأن يزوجا الأبناء لأشخاص بعينهم، وإذا لم يفعلوا ذلك يتم نعتهم بالمعصية والخروج عن الطاعة، ما يجعل أجيالا قادمة أسرى لرغبات أجيال عاشت في زمن الجاهلية.

وإذا كانت الخطبة المبكرة تترك انطباعات سلبية عند طرفي العلاقة في المستقبل، فقد تتسبب في تدمير نفسية شريحة كبيرة من الشباب والفتيات فاتهم طابور الزواج لأسباب أسرية واقتصادية، لأنهم يشعرون بالتقدم في السن والعجز عن تحقيق حلم تكوين أسرة، بينما هناك أطفال لم تتبق على زواجهم سوى خطوة واحدة.

Thumbnail

ولم تنكر أمنية محمد صاحبة الـ25 عاما، أنها كلما قرأت عن خطوبة طفلين، تعيد التفكير في شبح العنوسة الذي صار يطاردها ويجعلها عرضة للسخرية من أقاربها، إذ لا تنسى موقف أمها عندما طالعت نبأ خطبة صغيرين قبل شهور، حينها وصفتها بالفتاة المنحوسة التي لا تجذب الشباب.

وقالت محمد لـ”العرب”، إن وقائع الخطبة المبكرة تزيد الضغوط النفسية على الفتيات اللاتي يتقدمن في السن دون ارتباط رسمي، لأن المجتمع يربط العنوسة بسن محددة، إذا تجاوزتها الأنثى تصبح عرضة للتنمر، والفتاة تقارن نفسها أحيانا مع أخريات، فكيف تكون حالتها المزاجية وهي ترى طفلة تلبس فستان الخطوبة.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن معدلات الزواج في مصر انخفضت إلى الحد الأدنى خلال السنوات الثلاث الأخيرة لأسباب اقتصادية، وعدم توافر القدرة المادية للشباب للوفاء بتكلفة الزواج، لكن نفس المبررات تقود بعض الآباء إلى الموافقة على خطبة فتياتهم مبكرا لرفع العبء الاقتصادي عن كاهل الأسرة لتتولى عائلة الطفل الإنفاق.

وبنفس منطق زواج القاصرات، تفكر شريحة من الأسر بطريقة أن الطفلة عندما تتم خطبتها، فإن جزءا من مصروفاتها سوف يكون إلزاميا على عائلة خطيبها، مثل شراء الملابس والتنقلات والهدايا التي يتم تخزينها لتصبح ضمن “جهاز العروس” عندما يحين موعد زواجها، وهذا يكلف عائلتها أموالا طائلة.

ورأت داليا صلاح، رئيسة المؤسسة المصرية لحقوق الطفل، أن تفكير الأسر في خطبة وتزويج فتياتها مبكرا لتخفيف العبء الاقتصادي، يتسبب في انتهاكات جسدية ونفسية لهن، والبعض يفكر ناحية البنات بمنطق مادي بحت دون مراعاة لحالاتهن النفسية وانعكاس ذلك على حقهن في التعليم وعيش مرحلة الطفولة كما يجب أن تكون.

وأشارت لـ”العرب”، إلى أن أخطر ما في الخطبة المبكرة أنها إحدى خطوات التحايل على القانون لتزويج قاصرات، ولو لم يحدث ذلك، فارتباط الطفلة رسميا يحملها مسؤوليات في سن صغيرة، وبعد أن كانت مشغولة باللهو خلال فترة الطفولة والتعليم، تفكر في كيفية إعداد بيت الزوجية وتوديع أسرتها وهي في قمة الاحتياج إليها.

ويستنكر البعض غياب الردع القانوني الذي يرهب الآباء عن خطبة أولادهم مبكرا، لكن الحقيقة أن القوانين وحدها لم تثبت جديتها في محاربة ظواهر أكثر خطورة، مثل الزواج المبكر وختان الإناث والعنف الأسري، لأن التشريعات لا تحارب الجهل.

والأهم وجود استراتيجية شاملة تستهدف زيادة الوعي وتغيير العادات والمعتقدات الخاطئة التي تسببت في انتكاسات يدفع فيها الأبناء وحدهم فاتورة باهظة لجهل الآباء.

Thumbnail
21