"خطب الدكتاتور الموزونة" نبوءة درويش بنهاية الديكتاتوريات العربية

الجمعة 2013/08/16
درويش: أي فتى يستطيع الوقوف ثلاثين عاما على حافة الجمجمة

"خُطب الدكتاتور الموزونة" مجموعة من النصوص، التي نشرها محمود درويش في مجلة "اليوم السابع" في باريس، في الفترة من آب/ أغسطس 1986 وحتى حزيران/ يونيو 1987، والتي أعلن بعد نشرها أنه لا يعتبرها قصائد شعرية، لذلك لم يضمها إلى أيٍّ من مجموعاته الشعرية التي صدرت بعد نشرها.

في كتاب "خُطب الدكتاتور الموزونة" – الذي يصدر لأول مرّة في كتاب مستقل (في 80 صفحة من القطع المتوسط)، ، بعد 25 عاماً على كتابة الخُطب (الأناشيد)، وبعد ستة أعوام على غياب شاعرنا جسدياً – سعى درويش إلى تحليل المنظومة القمعية للدكتاتورية وإعادتها إلى عناصرها الأولى بسخرية عميقة ومبدعة، مقدّماً "مانفيستو" شعريّاً حاداً ومتوهّجاً في هجاء التسلّط والقمع، انتصاراً لقيم الحياة والعدل والجمال.

ويرجّح كثير من النقاد أنه تخلى عنها لأسباب جمالية وحساسيات سياسية، وأنه رفض إدراجها ضمن مشروعه الشعري والنثري. رغم أنّ جهوداً بُذلت في حياة درويش، لإعادة نشرها في كتاب إلا أن الشاعر رفض ذلك، وهناك شهود على هذا الرفض، مثل الروائي المصري يوسف القعيد، الذي نشر شهادته بالوقائع.

ومما جاء في شهادة القعيد: " في آخر زيارة لمحمود درويش إلى القاهرة، دعته إلى لقاء على النيل الباحثة فاطمة البودي صاحبة دار "العين". وقضينا ساعات نحاول إقناع محمود درويش بنشر هذه القصائد على شكل ديوان مستقل، فرفض. تمترس خلف رفضه باعتبار أنه لا يعتبر هذه الخُطب والأناشيد قصائد شعرية. وأنه كتبها في لحظة مــا من عمره. واحترمنا رغبته سواء في حياتــه أو بعد رحيله، لكن الرجل لم يعترض يومها على نشرها في مجلة أو جريدة، أمَّا أن تكون ديواناً مستقلاً، فقد قال لا". بدوره سجل الناقد اللبناني احتجاجه على إصدار "القصيدة" في كتاب، قائلاً: "كان محمود درويش على حقّ عندما تجاهل قصيدته الطويلة "خُطب الديكتاتور الموزونة" وراح ينكرها مؤثراً عدم التحدّث عنها.

كان محمود على يقين أنّ قصيدته هذه المؤلفة من سبع قصائد أو سبعة خُطب بحسب عنوانها (الصحيح: ثمانية خُطب)، ليست بقصيدة وأنها خلو من الشعر حتى وإن صيغت على طريقة الشعر التفعيلي المشبع بالقوافي المتنوّعة". يضيف وازن: "لماذا أنكر محمود درويش هذه القصيدة؟ هذا السؤال قد يصح طرحه الآن أكثر من أي وقت مضى. فهذه القصيدة قد تكون صالحة لأن تقرأ راهناً في ضوء سقوط الديكتاتوريين العرب واحداً تلو الآخر. وقد عمّمتها أخيراً مواقع إلكترونية كثيرة ولكن بأخطاء طباعية جمة. لعل محمود تمثل بعضاً من هؤلاء الديكتاتوريين دون أن يسمّيهم أو يدل عليهم بوضوح.

ملامح الديكتاتور العربي في "الخطب"

ومَن يقرأ هذه "الخُطب" الموزونة (والمقفاة) يتهيّأ له أنه يبصر ملامح من هذا الديكتاتور العربي أو ذاك وذلك، بخاصة أن الشاعر دمج ملامح الديكتاتوريين في شخص واحد هو الديكتاتور العربي، المتعدّد الوجوه والخُطب".

وفي نقده للقصيدة يقول وازن: "بدت القصيدة هذه على خلاف شعر محمود حينذاك، تقليدية، عادية، متخففة من أسرار صاحبها ولمساته. قصيدة تقريرية تذكر ببعض مــا كتــب نزار قباني من قصـــائد سياسية ساخــرة وهجائية وخالية من أي قيمة فنيــة… ولو لم تحمل القصيدة توقيــع محمــود درويــش لمــا ظــن القراء أنها لــه، مع أنّ بعضــاً مــن تعابيــره وتراكيبه اللغوية والإيقاعية تتخلّل أسطرهـا. أما روحها فهي غريبة عن مناخ شاعر "سرير الغريبة" وكذلك رؤيتها ونسيجها… وقد بدت السخرية التي تحفل بها غريبة هي أيضاً عن محمود درويش الذي لم يعتد البتة إفلات زمام القصيدة. هذه السخرية بدت فضفاضة على قامة الشاعر وكأنّها ألقيت عليه من خارج. وكم كان محقاً في إنكاره القصيدة ورفضه الكلام عنها".


احتجاج ورفض


سجل الكثير من رفاق محمود درويش وأصدقائه احتجاجهم على نشر هذا الكتاب، متسائلين: "هل يحق لأحد إصدار هذه الخُطب في كتاب على غير رغبة درويش، الذي رفض أكثر من عرض لدور نشر لنشرها في كتاب؟". وهل أن درويش – لوّ كان على قيد الحياة – كان سيقاضي دار النشر على موقفها هذا؟". و"مَن يحمي رغبات الأدباء بعد رحيلهم إلى عوالم لا يستطيعون منها إيصال أصواتهم واحتجاجاتهم؟".

المرّة الأولى التي نُشرت فيها الخُطب بعد رحيل صاحب "لاعب النرد"، كانت في مجلّة "أدب ونقد" المصرية، التي عمدت إلى نشر هذا العمل كاملاً في أيّار/ مايو 1997 متيحة أمام قرائها فرصة الاطلاع عليه، رغماً عن إرادة صاحبه الذي سعى إلى إنكاره. لينشر بعد ذلك في مجلة "الكرمل الجديد" الفصلية الثقافية التي تصدر من رام الله، فلسطين المحتلة، ويرأس تحريرها حسن خضر، في العدد الأول الذي صدر في صيف 2011، خلال أحداث الربيع العربي، فاحتفت بها أكثر من مطبوعة عربية في أكثر من بلد، ابتهاجاً بسقوط الحكام أنصاف الآلهة.

يقول القعيد: "خُطب الديكتاتور الموزونة" نُشرت قبل ربع قرن من الزمان. لكنها تبدو – مصر هنا والآن – معاصرةً لنا تماماً، بل إن بعض الحكام العرب الذين أشار إليهم الشاعر سنة 1986 في نصوصه تلك، القليل منهم لا يزال على قيد الحياة، والكثير أخذه الربيع العربي، وبعض من جاؤوا بعد الربيع العربي ويحاولون البقاء والاستمرار، فيهم الكثير من الملامح التي حددها محمود درويش سنة 1986". من جهته رأى مدير "دار راية للنشر" الشاعر بشير شلش أنّ "القيمة الأدبية للنصوص كامنة فيها وستبقى، فإذا كانت النصوص التي كُتبت قبل ثلاثة عقود ما تزال راهنة حتى اليوم، فإنها ستظل كذلك في المستقبل.

ومردّ هذا الأمر إلى أن الشاعر شخّص بدقّة آفات الأنظمة القمعية العربية ورسم صورة كاريكاتورية دقيقة تماماً لذهنية الطاغية. وهي ذهنية ما تزال قائمة حتى في الدول التي كانت فيها التحركات الجماهيرية أقرب إلى مفهوم الثورة – كما تعرّفها العلوم السياسية والاجتماعية- في مصر وتونس تحديداً".


نبوءة شاعر


فيما يعلق الأكاديمي الفلسطيني خالد الحروب على هذه الخُطب/ النصوص النثرية، قائلاً: "كأنها نبوءة الشاعر إذ يحدس بالنهايات ويسخر من جبروت الدكتاتور القائم رغم بطشه وسده للأفق واغتياله للمستقبل". يضيف الحروب: "على الرغم من أن هذه النصوص نشرت قبل خمسة وعشرين عاماً، وكما يلاحظ حسن خضر بحق، فإنها تبدو معاصرة تماماً.

كما أن بعض الحكام الذين ألمح إليهم في تلك النصوص ما يزالون على قيد الحياة…" عندما نقرأ اليوم (النصوص) لن نحتاج إلى خيال مجنح كي نرى انطباقها على حالة حاكم هنا، وحاكم هناك. في "خطاب الجلوس" يعلن الدكتاتور على الملأ ما يلي: "سأختار شعبي، سأختار أفراد شعبي، سأختاركم واحداً واحداً، من سلالة أمي ومن مذهبي، سأختاركم كي تكونون جديرين بي، …، سأختار شعباً محباً، وصلباً، وعذباً، سأختار أصلحكم للبقاء، وأنجحكم في الدعاء لطول جلوسي..".

وفي "خطاب الضجر" نقرأ عن ملل الحاكم والمحكومين من الحياة برمتها، ذلك أن رتابة التسلط وسيطرة الخنوع تقضي على أي احتمال للدهشة أو التغيير: "… اختصر الناس، أسجن ثلثاً، وأطرد ثلثاً، وأبقي من الثلث حاشية للسمر … وما من خبر! وأطبع وجهي من أجلكم فوق القمر، لكي تحلموا مثلما أتمنى لكم: تصبحون عليّ .. وما من خبر.

1