خطة التحول الوطني تبلور أحلام إصلاح الاقتصاد السعودي

قال محللون ومسؤولون مشاركون في إعداد خطة التحول الاقتصادي في السعودية إن الخطة بدأت تتبلور ملامحها، لإجراء أكبر إصلاح في تاريخ البلاد، لكن بعضهم حذر من أن الخطة قد تكون صعبة التنفيذ وقد تنطوي على بعض المخاطر.
الجمعة 2016/04/15
محور تشغيل السعوديين

الرياض – في أواخر فبراير اجتمع بضع المئات من المسؤولين السعوديين ومسؤولي الشركات والاستشاريين الأجانب في أحد فنادق الرياض الفاخرة، لقدح زناد الفكر حول السبل التي تتيح للاقتصاد السعودي اجتياز تحديات عصر النفط الرخيص.

وقال مدير إحدى الشركات التي شاركت في الاجتماع لرويترز إن مسؤولين من نحو 30 جهة حكومية سعودية ناقشوا التحديات الخاصة في مؤسساتهم عبر مراكز عمل مصغرة.

وأضاف أن مديري الشركات لقوا تشجيعا “للتفكير في سبل بناء شراكات وطرح آرائهم وتقديم الشكاوى والتخطيط لمشروعات”، ووصف الحدث بقوله “كان هناك الكثير من المناقشات الحماسية”.

وكانت ورشة العمل قد عقدت ضمن سلسلة اجتماعات على مدى الأشهر القليلة الماضية، في إطار سعي الرياض إلى رسم ملامح خطة إعادة هيكلة الاقتصاد كي لا يظل معتمدا بصورة شبه حصرية على النفط.

ومن المتوقع أن تكشف الحكومة النقاب عن البرنامج الذي يحمل اسم “خطة التحول الوطني 2020” خلال الأسابيع المقبلة، لكن لم يتم بعد الإعلان عن موعد محدد.

وفي ظل الحساسية السياسية لتلك الإصلاحات فإن الكثير منها لا يزال محاطا بجو من السرية. وامتنعت الوزارات عن مناقشة تفاصيل الخطة. كما امتنعت شركات الاستشارات الأجنبية عن تأكيد مشاركتها في رسم ملامح الخطة والحديث عن تفاصيلها.

وقالت وكالة رويترز إنها تمكنت من التوصل للملامح العريضة للخطة الخمسية الطموح، من خلال نقاشات مع مسؤولين واستشاريين وتنفيذيين، لكنها ذكرت أنها قد تنطوي على بعض المخاطر، التي قد تجعل تنفيذها عملية صعبة.

الأمير محمد بن سلمان: توسعة نشاط صندوق الاستثمارات العامة لتصل قيمته في نهاية المطاف إلى تريليوني دولار

خصخصة واسعة

وتشمل الخطة عمليات بيع أصول وفرض ضرائب وخفضا للإنفاق وتغييرا لطريقة إدارة الدولة للاحتياطيات المالية، وتوجها لتعزيز الكفاءة والفعالية ودورا أكبر لمشاركة القطاع الخاص في التنمية.

وجرى الحديث عن الكثير من تلك الإصلاحات في ما مضى، لكنها توقفت عند كونها مجرد أفكار لم تدخل حيـز التنفيـذ الجاد.

ويبدو أن الأمر قد يكون مختلفا هذه المرة، بسبب انتقال عملية وضع السياسات في العام الماضي من المراكز التقليدية والمتحفظة لصنع القرار مثل وزارة المالية والبنك المركزي. وتتركز سلطة اتخاذ القرارات الاقتصادية حاليا في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يضم 22 عضوا، والذي شكله العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز في أعقاب توليه عرش البلاد في يناير 2015.

ويرأس المجلس الأمير الشاب محمد بن سلمان، ولي ولي العهد البالغ من العمر نحو 30 عاما، والذي أشرف بصفته وزير الدفاع، على التدخل العسكري في اليمن في مارس 2015 ويعمل حاليا على إعادة رسم السياسة الاقتصادية وتغييرها بشكل جذري.

ويقول محمد العفيف وهو مصرفي مخضرم يدير شركة “كاش سولوشنز” للخدمات المالية إنه “منذ تأسيس السعودية لم تكن هناك خطة تقودها الحكومة تنطوي على هذا القدر من الابتكار”.

استشاريون وواتساب

ويقول المطلعون على خطة التحول الوطني إنها ولدت نهاية العام الماضي خلال مباحثات للأمير محمد مع نفر من كبار المسؤولين، حين كان النفط قد هبط دون 30 دولارا للبرميل وهو سعر أقل بمقدار النصف عن المستوى الأدنى المتوقع بحسب ما قاله مصدر سعودي.

وأدى هبوط أسعار النفط إلى تسجيل السعودية عجزا بقيمة 98 مليار دولار في موازنة العام الماضي، وهو ما عزز الحاجة لتنفيذ إصلاحات جذرية، يتولى الأمير محمد القرار النهائي في تنفيذها، وقد اختار عادل فقيه وزير الاقتصاد والتخطيط للمساعدة في إعداد التفاصيل.

شكوك المحللين
إعلان الخطة يأتي بعد فوات الأوان

صعوبة استيعاب السوق لبرنامج خصخصة

خطة التحول الوطني قد تكون صعبة التنفيذ

استمرار تدني أسعار النفط العالمية

حاجة البرنامج للاستثمارات الأجنبية

خفض الإنفاق سيعرقل التوسع الاقتصادي

الخطة براقة لكنها لا تتضمن الكثير من التغيير

تضارب النماذج المعتمدة في الخطط الاقتصادية

ربط قيمة الريال بالدولار قد يعرقل التحول

ويعرف عن فقيه في السعودية أنه رجل المهام الصعبة منذ توليه وزارة العمل بين عامي 2010 و2015، والتي تمكن خلالها من التغلب على معارضة قطاع الأعمال ودفع بسياسات ألزمت الشركات بتعيين عدد أقل من الأجانب وعدد أكبر من السعوديين.

ويقول مشاركون في الإصلاحات الجديدة إن فقيه البالغ من العمر 57 عاما يستخدم تطبيق واتساب بصورة كبيرة حتى الساعات الأولى من الصباح، حيث تجري من خلاله مناقشة خطط الإصلاحات مع العشرات من المجموعات التي تضم المئات من المختصين.

كما تنفق الرياض عشرات الملايين من الدولارات على شركات الاستشارات للمساعدة في وضع إطار خطة التحول الوطني. وكانت سورس غلوبال للاستشارات قدرت في مارس الماضي أن إجمالي الإنفاق السعودي على الخدمات الاستشارية، التي تطلب معظمها الحكومة والهيئات المرتبطة بها، زاد بأكثر من 10 بالمئة في العام الماضي ليصل إلى أكثر من 1.1 مليار دولار.

وعكف استشاريون معظمهم من السعوديين الحاصلين على شهادات من جامعات أجنبية على العمل مع مسؤولي الوزارات داخل فندق الخزامى في وسط الرياض، من أجل دراسة إطلاق وتنفيذ الإصلاحات في ما يربو على 40 مجموعة عمل.

وشملت الخطط عددا من الأهداف مثل “مؤشرات الأداء الرئيسية” التي ستلزم الوزارات بتحقيق أهداف ملموسة في ما يخص الإصلاحات والموازنة، وذلك بحسب وثائق لبعض تلك الخطط.

نماذج متباينة

ويقول المطلعون على الخطة إن أحد النماذج الملهمة للخطة كان نموذج دولة الإمارات، التي تبنت إصلاحات جذرية شملت خفض دعم البنزين العام الماضي.

النموذج الآخر هو ماليزيا التي أطلقت إصلاحات في 2010 هدفت إلى تنويع اقتصادها بعيدا عن تصدير السلع ولجذب المزيد من المستثمرين الأجانب. ولعبت شركة الاستشارات ماكينزي آند كو دورا هاما في الخطة الماليزية والآن هي في مركز الجهود السعودية.

وتتشابه خطة التحول الوطني السعودية مع البرنامج الماليزي في 3 محاور، هي وجود هيئة واحدة لتنفيذ البرنامج لضمان تحقيق أفضل قدر من التعاون بين الوزارات، والتركيز على إشراك القطاع الخاص واستبيان آرائه، إضافة إلى تعزيز نصيب القطاع الخاص من الاستثمارات وهو أمر تعتبره الرياض شديد الأهمية في ظل هبوط إيرادات النفط.

الحاجة لتغييرات اجتماعية

وتريد الرياض من القطاع الخاص تطوير مرافق سياحية على بعض الجزر، وتخطط لبناء “مناطق حرة” بأقل قدر من الإجراءات الروتينية قرب المطارات كما تسعى إلى جذب استثمارات القطاع الخاص إلى المدارس.

وسيجري طرح مشروعات جديدة في مجال البنية الأساسية مثل تشييد الطرق والموانئ عبر عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية (بي.أو.تي)، والتي تقوم من خلالها الشركات الخاصة بتمويل المشروعات وتشغيلها من أجل استعادة مبالغ الاستثمارات وتحقيق أرباح.

ويقول اقتصادي سعودي ممن حضروا إحدى ورش العمل إن “الحكومة لن تتحمل أي مخاطر بعد الآن لكنها ستقوم فقط بتوفير الفرص”. ومن شأن خطة التحول الوطني أن تسرع من الوتيرة البطيئة لبرنامج الخصخصة. وقد كشف الأمير محمد أنه من المقرر طرح ما يصل إلى 5 بالمئة من شركة أرامكو العملاقة في اكتتاب عام، وهو ما قد يدر العشرات من مليارات الدولارات.

كما تتضمن الخطة طرح شركات في 18 قطاعا للخصخصة بهدف رفع تنافسيتها، وتشمل شركات في قطاعات الرعاية الصحية والتعدين والنقل والتعليم. كما ستنتهج الحكومة مسارا أكثر نشاطا في إدارة الاحتياطيات المالية للبلاد، حيث يملك البنك المركزي، الذي يعمل بمثابة صندوق الثروة السيادي نحو 584 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية معظمها في استثمارات متحفظة كالودائع البنكية وسندات الخزانة الأميركية.

وبحسب الإصلاحات من المقرر استثمار عوائد الخصخصة في أصول شركات حول العالم، بهدف تعزيز الدخل وامتلاك التكنولوجيا والخبرة العالمية.

أبرز الإصلاحات المتوقعة
تخفيف قيود الاستثمار الأجنبي

خصخصة مؤسسات حكومية

خفض الإنفاق الحكومي

بيع بعض الأصول الحكومية

فرض ضرائب ورسوم جديدة

تغييـر طريقـة إدارة الاحتيـاطات المـالية

دور أكبر للقطاع الخاص في التنمية

تعزيز كفاءة الأجهزة الحكومية

وقالت المصادر إن مسؤولين سعوديين قاموا بزيارات لجهاز أبوظبي للاستثمار الذي يستثمر ما يزيد على 700 مليار دولار في الأسواق الناشئة والمتطورة بقطاعات من بينها الأسهم والدخل الثابت والاستثمار الخاص والعقارات والبنية الأساسية.

وكان الأمير محمد بن سلمان قد ذكر لوكالة بلومبرغ الشهر الماضي أن الرياض تعتزم توسعة نشاط صندوق الاستثمارات العامة السعودي ليسيطر في نهاية المطاف على تريليوني دولار. ويعتقد أن الصندوق يملك حاليا أصولا بقيمة 100 مليار دولار.

ويقوم كبار المسؤولين حاليا بمراجعة المقترحات التي كان من المقرر أن تقدمها كافة الوزارات المعنية في موعد أقصاه 31 مارس حسبما أفاد مصدران مطلعان.

ويقول دبلوماسي غربي يعمل في المجال الاقتصادي إن “الجميع ينتظر الإعلان عن خطة التحول الوطني لمعرفة كيف ستسير الأمور في المستقبل”.

شكوك المحللين

لكن هناك من تساورهم الشكوك، إذ يقول البعض إن الإعلان عن الخطة يأتي بعد فوات الآوان، فيما يقول آخرون إن سوق المال المحلية أصغر من أن تستوعب برنامج خصخصة نشط، وأنه لا مفر من جذب الأموال الأجنبية في وقت يساور المستثمرون فيه القلق بشأن المستقبل في ظل استمرار هبوط أسعار النفط.

وقد يتطلب القضاء على عجز الموازنة بحلول عام 2020 خفضا إضافيا للإنفاق بقيمة 100 مليار دولار وزيادة في الضرائب والرسوم، وهو ما سيشكل عبئا كبيرا على الاقتصاد قد يعادل نحو 16 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد يعوق ذلك فرص النمو والاستثمارات الخاصة التي تسعى خطة التحول الوطني إلى جذبها.

ويقول آخرون إن بعض الإصلاحات قد تبدو مبهرة ولافتة للأنظار، لكنها قد تنطوي على القليل من التغيير الحقيقي. ولكي يبلغ صندوق الاستثمارات العامة الحجم الكبير المستهدف، فإنه يتطلب الاستحواذ على أصول في شركات مثل أرامكو، لكنه لن يكون قادرا على إعادة استثمار تلك الثروات ما لم يقم ببيع جزء كبير من الشركة، وهو أمر سيكون صعبا لأسباب مالية وسياسية.

إحسان بوحليقة: فرصة هائلة وليس أمامنا خيار سوى أن نركض في الاتجاه الصحيح
كما أن هناك المصائر المختلفة للنماذج الاقتصادية التي تستلهمها خطة التحول الوطني. فعلى سبيل المثال تمكنت ماليزيا من زيادة نصيب القطاع الخاص من الاستثمارات بصورة كبيرة ليصل إلى 64 بالمئة في 2014 من 52 بالمئة في 2009، لكن عملتها هبطت مع هبوط أسعار السلع الأولية وهو أمر تريد الرياض أن تتجنبه.

ويقول الاقتصادي السعودي البارز إحسان بوحليقة “معظم برامج التحول الاقتصادي في بلدان عدة لم تنجح أو حادت كثيرا عن خططها الأصلية”. ويضيف “لا نتحدث هنا عن مشروع صغير. خطة التحول الوطني توفر فرصة هائلة وليس أمامنا خيار سوى أن نركض في الاتجاه الصحيح”.

كما أن الكثير ممن تحدثت معهم رويترز تساءلوا عن الدور الذي يقوم به الاستشاريون الأجانب الذين يتقاضون رواتب كبيرة.

يقول استشاري أجنبي لإحدى الوزارات “هناك شبان في الثلاثين من العمر يحملون أجهزة اللابتوب ويساعدون في تحديد مسار البلاد… فرص التغيير زادت بالفعل لكن زادت معها المخاطر”.

تغييرات اجتماعية

أحد الأسئلة التي تدور حول خطة التحول الوطني، هو ما إذا كانت ستصحبها بعض التغيرات الاجتماعية التي يعتقد الكثير من المسؤولين بالشركات الأجنبية أنها ضرورية لتحديث الاقتصاد السعودي، كالسماح للمرأة بالقيادة على سبيل المثال أو إدخال إصلاحات على النظام القضائي المحافظ بشدة.

ويعتقد بعض السعوديين أن الضغوط الاقتصادية قد تؤدي في نهاية الأمر إلى إحداث بعض التغيير. ولا تنطوي خطة التحول الوطني نفسها على إصلاحات اجتماعية، لكن عملية التخطيط تشير إلى قدر من الانفتاح، إذ لفت عدد ممن حضروا ورش العمل إلى حضور كبار المسؤولين بالثوب التقليدي دون ارتداء العباءة الرجالية الفاخرة التي يرتدونها في المناسبات الرسمية.

كما أشاروا إلى أن ورش العمل شهدت مشاركة للاستشاريات الإناث، اللائي عملن إلى جانب الرجال في شكل قد يكون غير مألوف في أماكن أخرى في البلاد.

11