خطة الدب الخامل

الخميس 2014/12/11

كان حاكم الغابة دُبّاً من الدببة، فاره الطول، شديد الخمول، ثقيل الوزن، منتفخ البدن، يمضي كل الأوقات في السّبات والبَيات تاركاً شؤون الرعية.

غضبت الحيوانات، ونفد صبرها، وبدأت تصرخ وتصيح لكي يقوم الدبّ من النوم ويمسك بزمام الحكم.

لكن الدبّ الخامل طلب من الثعلب الماكر أن يحيك له حيلة تُسكت أصوات الغضب وتريحه من حدّة الصخب. فأوصاه الثعلب بأن يلقي خطابا موصوفا بالخطاب التاريخي.

وهكذا كان. صعد الدبّ الخامل إلى المنبر متثاقلا متكاسلا، وحوله الحيوانات تنتظر، فتح فاه وهَمهَم بكلام لم يُفهم منه سوى أنه قال: “كنت قد وعدتكم بأني سأحفظ عهدكم، وأرعى مصالحكم.

وقد رأيت بأنّ اختلاف أصواتكم بين ناعق وناهق وزاعق، وصافر وزائر وهادر يحدث الخصام ويفسد الوئام ويزعج النيام ويزعزع النظام، لذلك قررت أن أفتح أمامكم عهداً جديدا من الهدوء والسلام، لا تزعجكم فيه زمجرة ضبع ولا فحيح أفعى ولا صرير نملة.. سنجعل غابتنا قبلة للعاشقين، وملاذا للهائمين، ومزارا للسالكين. ولأجل هذا الهدف العظيم، هناك حل ناجع وحكيم، سأملأ أفواهكم بالقطن الناعم، حتى لا يعوي بينكم عاو ولا يزعق عليكم زاعق، وهكذا ننعم جميعنا بالصمت والسكون”.

استجابت الحيوانات للفكرة المغرية، وطبقتها بجدية، ناسية مطالبها الأصلية.

مضت أيام من الرتابة على حياة الغابة، لا زقزقة فيها ولا نعيق، لا زمجرة ولا نهيق، انحبست الأصوات في الصدور، ازدحمت النفوس بالأسرار، توقفت الكلمات في الحناجر، وسرعان ما سئمت الحيوانات من صمت القبور، وأوشك الجميع أن يثور، فأيقظ الثعلب الدبّ المستهتر ونصحه بأن يعجل بإلقاء خطاب آخر، يطرح فيه مخططا جديداً، لا بأس أن يسميه بالمخطط الثالث أو الرابع، فللأرقام سحرها.

ثم اعتلى الدبّ المنبر ومن حوله الحيوانات تنظر وتنتظر، فقال: “سبق لي أن وضعت القطن في أفواهكم حتى تستمتعون بالهدوء والسكينة. وقد فهمتُ بأن الأمر قاس على نفوسكم ومخالف لطبعكم.

ولأن دوام الحال من المحال، فها أنا أبشركم بالتغيير، أزيلوا القطن من أفواهكم، واصرخوا كما تشاؤون، قولوا ما تريدون وما لا تريدون، أطلبوا ما تشتهون وما لا تشتهون، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون”.

فرحت الحيوانات بهذا النصر فرحا كبيرا، وأزالت قطع القطن من أفواهها ثم أعادتها إلى الدب الحاكم، وهي ترفع شارات النصر.

فتابع الدبّ خطابه قائلا: “الآن، وقد أزلتم القطن من أفواهكم حتى تصيحوا كما تشاؤون، آن الأوان لكي أضعه أنا على أذني حتى لا أسمع أصواتكم”.

ثم عاد الدبّ إلى بيته، وغرق في سباته، ومنذ ذلك الوقت لم يظهر له أثر.

24