خطة العمل المشتركة بين مجموعة 5+1 وإيران: الملامح والدلالات

الخميس 2015/04/09

وقعت إيران ومجموعة 5 زائد 1 (القوى الخمس الكبرى مع ألمانيا) في لوزان يوم 2 مارس 2015 اتفاق إطار بشأن البرنامج النووي لإيران. فبمقتضى الاتفاق تخلت إيران عن مطالبها السابقة بأن تحتفظ بعشرة آلاف جهاز طرد مركزي من مجموع 19.000 تعمل لديها حاليا، وقبلت بأن تحتفظ بـ 6.104 جهاز طرد مركزي. كان من المعروف أن إيران تخصب اليورانيوم قبل الاتفاق بنسبة 5 بالمئة، وأيضا كانت هناك اتهامات متكررة لها بأنها تطمح لتخصيب يصل إلى نسبة 20 بالمئة. وقد سبق لإيران أن هددت بالوصول إلى هذه النسبة إن لم تحصل على اتفاق ينسجم مع مطالبها النووية. اليوم تكتفي إيران، بموجب الاتفاق، بالقبول بتخصيب ضئيل بمستوى 3.67 بالمئة.

وبينما كان التخصيب يجري في منشأتي فوردو ونطنز المثيرتين للجدل، أخرج الاتفاق فوردو نهائيا من نطاق خدمة التخصيب، وحولها إلى مركز سلمي للأبحاث النووية والتكنولوجية. وهكذا أصبحت منشأة نطنز الوحيدة المخولة بتخصيب اليورانيوم، لكن بعدد من أجهزة طرد لا يتعدى 5.060 جهازا، وبتخصيب ضئيل لا تتجاوز نسبته 3.67 بالمئة. وفي الوقت ذاته فإن حرمان إيران بموجب الاتفاق من التخصيب في نطنز في أجيال جديدة من أجهزة الطرد المركزية يعني حرمانها من فرص تخصيب أعلى من النسبة المتفق عليها مع القوى الدولية، وهي 3.67 بالمئة. وهذا بحد ذاته يقطع الطريق على إيران مستقبلا من الحصول على قدرات تسلح نووي. ولم يترك إطار الاتفاق لإيران حتى البلوتونيوم الذي يمكن استخدامه في صناعة أسلحة نووية. فقد قضى الاتفاق بتدمير قلب مفاعل آراك لكي لا تكون لإيران فرصة محتملة مستقبلا لإنتاج بلوتونيوم لازم لعملية تصنيع سلاح نووي.

بخصوص الرقابة، فقد وضع إطار الاتفاق منشآت إيران النووية كلها تحت رقابة دولية حثيثة وصارمة ولأمد طويل. وأعطى إطار الاتفاق المفتشين الدوليين صلاحيات وإمكانيات غير محدودة للوصول إلى كل المواقع النووية، وإلى قاعدة بياناتها، وإجراء عمليات تفتيش دقيقة وحازمة. في المقابل، كان على إيران بموجب الاتفاق أن تفي بكل صغيرة وكبيرة من التزاماتها المنصوص عليها، إلى درجة أن تطمئن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا ما كانت لديهم مخاوف وشكوك بشأن أبعاد عسكرية (محتملة) في برنامجها النووي.

وتبدو خطة العمل الشاملة المشتركة اتفاقية أحادية الجانب، لأن على إيران أن تتعهد بتنفيذ التزاماتها كاملة، بينما لا تلتزم مجموعة قوى الخمسة زائد واحد إلا بتعليق ورفع تدريجي، وليس إنهاء فوريا وشاملا، للعقوبات الأميركية والأوروبية والأممية المفروضة على إيران. فضلا عن ذلك، فإنه بمقتضى الاتفاق فإن أي انتهاك أو خروقات إيرانية لبنود الاتفاق يعيد العقوبات الدولية إلى مكانتها الأولى.

وبالمقارنة مع ما كانت تتمسك به طهران سابقا من مطالب بشأن برنامجها النووي، فالاتفاق يمثل في واقعه “استسلاما نوويا إيرانيا” و“تفكيكا مرحليا” للمشروع النووي الإيراني. فضلا عن ذلك، فإنه من المتعذر تجنب انفجار ألغام متناثرة هنا وهناك في الطريق طويلة الأمد نحو تنفيذ بنوده. فعلى سبيل المثال، قد تجابه إيران مستقبلا صعوبات في تجنب خروقات أو انتهاكات للاتفاق قد تعطل تطبيق بنوده، وتبقي نظام العقوبات قائما إلى أمد غير محدود.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن دول الشرق الأوسط، وإيران إحداها، لديها حساسية مفرطة تجاه كل ما تعتبره انتهاكا لحقوقها القومية وسيادتها الوطنية، فإن نظام تفتيش دولي دقيق وصارم، على غرار ما هو مقرر لإيران بموجب الاتفاق، سيعدُّ، بمرور الوقت، في الحسابات الوطنية الإيرانية، أقرب للتدخل الأجنبي منه إلى نظام تفتيش دولي قانوني. وهذا يذكر بما كان عليه نظام التفتيش الأممي على أسلحة الدمار الشامل في العراق في تسعينات القرن المنصرم، وتداعياته التي مهدت الطريق، لاحقا، لاحتلال العراق وإسقاط نظامه.

تذكر صحفية إيرانية تتابع مفاوضات لوزان أن هناك في بلادها مثلا متداولا يقول: هل أنت أسد أم ثعلب؟ وهو تعبير يستخدم أساسا ليعني: هل أنت منتصر أم خاسر؟ وتتابع أنها في وقت متأخر من إحدى الليالي لمحت وزير خارجية بلادها محمد جواد ظريف وجون كيري يتجولان خارج الاجتماع، عند ذاك سألت ظريف بالفارسية باقتضاب “هل أنت أسد؟”، بمعنى هل أنت منتصر؟ فأجابها ظريف ببعض من التردد: نحن دائما أسود ومستمرون في ذلك، وفي نوروز كل الإيرانيين سيكونون أسودا!

مع نشر البيت الأبيض لنص اتفاق الإطار، تبدو للمرء أشياء محيرة من الصعب أن يصنفها ضمن خانة صنيع الأسود، قد تكون فقط الاحتفالية الكبيرة التي قابل بها الإيرانيون إعلان اتفاق الإطار والحفاوة البالغة التي استقبلوا بها جواد ظريف هما الوحيدان اللتان يمكن أن تكونا من صنيع الأسود. لكن من يقرأ الاتفاق ويتحرى عن أولوياته، من الناحيتين التاريخية والسياسية، يستغرب رؤية جواد ظريف مبتهجا وسط الجماهير التي تحييه بحماسة عالية، بينما هو رهن في لوزان قدرات بلاده النووية بشروط وتعقيدات ورقابة دولية لا نهاية تبدو لها في الأفق. والاتفاق بذلك لا يبدو، برمته، على أنه من صنيع أسود! ولكن مع ذلك دعنا ننتظر وندع الحكم النهائي في ذلك للتاريخ، لأن أحكامه لا تدحض ولا ترد.

أستاذ دراسات شرق أوسطية - الولايات المتحدة

9