خطة خلافة بوتفليقة تطبخ على نار هادئة في الجزائر

السبت 2016/01/09
من سيخلفني

الجزائر - مازال مرض الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة وتوجهه للعلاج في أكثر من مناسبة في السنوات الأخيرة يثيران جدلا كبيرا لدى الجزائريين الذين باتوا في حاجة إلى فهم ما يحدث من سيناريوهات داخل قصر المرادية، لا سيما في ظل الظروف الإقليمية المشتعلة والتي تهدد أمن البلاد.

وتتردد في الآونة الأخيرة بعض المعطيات التي تصب في اتجاه مساعي الرئيس الجزائري إلى التحضير لمن يخلفه قبل أن يغادر قصر الرئاسة بعد توليه رئاسة البلاد لمدة تجاوزت العقد ونصف العقد. وهذا الملف كان ضمن المحاور التي سلط مركز ستراتفور للدراسات الضوء عليها.

خلال الربيع العربي، كان أداء الحكومة الجزائرية أفضل من الكثير من الحكومات الأخرى، ربما بسبب ذكريات الحرب الأهلية الأخيرة، والتي ظهرت في عدول المواطنين عن المشاركة في الاحتجاجات. ما يزال الاستقرار في الجزائر منذ تلك الفترة من الاضطرابات الإقليمية ينبع أكثر من جهاز الأمن المؤسسي وقوة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، زعيم البلاد لمدة عقد ونصف العقد.

وقد أدت أربع فترات من رئاسة بوتفليقة للجزائر إلى استقرار البلاد التي تحكمها قيادة مدنية قوية. وقد تزايدت قوة حكومته المدنية عقيدة من رئاسته، ولكن أهم التغيرات، التي حدثت خلال العام الماضي أو نحو ذلك، أدت إلى زعزعة جهاز المخابرات العسكرية، التي كانت تهدد القيادة المدنية. ورغم العديد من الانتقادات، إلا أن شعبية الرئيس، الناتجة عن خلفيته الثورية والدور الهام الذي لعبه في المصالحة بعد الحرب الأهلية الدامية، ساعدت في الحفاظ على الاستقرار في الجزائر الذي يقع في منطقة مضطربة. ولكن تدهور صحة بوتفليقة يثير مخاوف بشأن المستقبل السياسي للبلاد.

ويؤكد بوتفليقة والفريق المحيط به أن الرئيس يسيطر بشكل كامل على حكومته، لكنه نادرا ما يظهر علنا منذ مرضه في عام 2013. وهو يحضر اجتماعات مجلس الوزراء بشكل غير منتظم، ولكن غالبا ما يتكلم بلسانه عبدالمالك سلال رئيس الوزراء أو عمار سعداني الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم. وفي ديسمبر الماضي، ترأس بوتفليقة عدة لقاءات مهمة والتقى العديد من القادة الأجانب. ويبدو أن الرئيس الجزائري يعمل على ترسيخ الأطر القانونية داخل البلاد ودعم العلاقات الدبلوماسية مع الخارج، ربما استعدادا للقيادة المقبلة التي سوف تخلفه في الجزائر.

من خلال توظيف الإصلاح الدستوري، يمكن أن يضمن بوتفليقة مستقبلا سياسيا مستقرا للجزائر، عبر تقسيم صلاحيات الرئيس على مجموعة متنوعة من أصحاب المصلحة. ولسنوات طرح بوتفليقة فكرة إضعاف الرئاسة لصالح رئيس الوزراء وبرلمان أقوى كجزء من الدستور الجديد. وبدأ بوتفليقة عقد جلسات حول الإصلاح الدستوري في 14 ديسمبر الماضي، ووعد بإصلاحات لنزع فتيل الاحتجاجات السياسية خلال ثورات الربيع العربي. ثم ترأس جلستين مغلقتين بشأن الإصلاح الدستوري في 29 و30 ديسمبر الماضي اللتين تلاهما الإعلان عن مشروع التعديل الوزاري في السادس من الشهر الجاري.

رغم أسلوب القيادة الذي يدل على أن بوتفليقة رجل قوي، فإن عددا قليلا من المرشحين يتميزون بإمكانية إعادة إنشاء الكاريزما الملهمة والحماس للقومية الجزائرية اللذين تجسدا في بوتفليقة

تضمن المشروع الجديد تعديلا للمادة 74 من الدستور الحالي التي تنص على أن “مدّة المهمة الرّئاسية خمس سنوات، ويمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية”، أي أن الرئيس يمكنه الترشح لعدة ولايات. أما حالياً فأصبح من الممكن إعادة انتخاب الرئيس مرة واحدة فقط، أي تحديد الولاية الرئاسية في ولايتين من خمس سنوات فقط.

وفي مجال الحريات أصبح منع سجن الصحفيين بسبب مهنتهم ضمن الدستور بعدما كان قانون العقوبات قد نص عليه، كما فتح المجال لأول مرة للجزائريين باستئناف الأحكام الصادرة عن المحكمة الجنائية لدى هيئة أعلى، قبل الوصول إلى الطعن بالنقض لدى المحكمة العليا، وهو المعمول به حاليا.

ومن المنتظر أن يتم عرض الدستور الجديد للمصادقة عليه في مجلس الوزراء خلال شهر فبراير القادم، ليقدمه بعدها بوتفليقة إلى المجلس الدستوري للفصل في كيفية التصويت عليه أمام البرلمان بغرفتيه “دون مناقشة أو تعديل”، أو كمشروع قانون عادي يمر عبر غرفتي البرلمان، المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة.

واستحدث المشروع، والذي طرحته الرئاسة للمصادقة على البرلمان مادة “3 مكرر” في الدستور تنص على أن “الأمازيغية لغة وطنية ورسمية”، إلى جانب العربية. كما تقرر إنشاء أكاديمية وطنية للأمازيغية تكون تابعة لرئاسة الجمهورية، لتسهيل تفعيل القرار على أرض الواقع من خلال الممارسة.

وبصرف النظر عن الإصلاحات الدستورية للرئيس بوتفليقة، فقد قام بتغييرات في الأجهزة الأمنية الجزائرية عن طريق إضعاف جهاز الاستخبارات والأمن، المخابرات العسكرية الجزائرية، سواء في قيادتها وفي شكلها المؤسسي. وفي ذلك محاولة واضحة للحفاظ على الجزائر كدولة مدنية بعد انتهاء رئاسة بوتفليقة. استمر الجيش الجزائري تحت قيادة الجنرال قايد صلاح في ممارسة السلطة والتصرف في موارد واسعة، ولكن التحديات السياسية للمخابرات العسكرية تثير الحكومة المدنية في الجزائر، وليس من المرجح أن يتكرر بقاء الجنرال صلاح، الحليف لأسرة بوتفليقة، في وضعية المتفرج. تمشيا مع إضعاف بوتفليقة لجهاز الاستخبارات والأمن، تخلّص رئيس المخابرات الجديد، عثمان طرطاق، من السمعة الغامضة لخلفه عبر الظهور في الأماكن العامة.

رغم أسلوب القيادة الذي يدل على أن بوتفليقة رجل قوي، فإن عددا قليلا من المرشحين يتميزون بإمكانية إعادة إنشاء الكاريزما الملهمة والحماس للقومية الجزائرية اللذين تجسدا في بوتفليقة. الزعيم القادم للجزائر سوف يكون شخصية أكثر حيادا وعليه تلبية متطلبات النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية في البلاد. وسوف يضمن خليفة بوتفليقة تفوق القوات الأمنية في محاربة الجماعات المسلحة، وحماية إيرادات النفط والغاز في البلاد والحفاظ على شبكات المحسوبية واسعة النطاق في الجزائر.

الرئيس هو من وضع حجر الأساس لخطة الخلافة، وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن يتنحى عن الرئاسة، إلا أن تدهور الحالة الصحية لبوتفليقة يجعل الجزائر في مواجهة ملحة مع تحديد ملامح مستقبل البلاد في حالة غيابه.

7