خطر الإدمان على تحقيق النمو بأي ثمن!

الاثنين 2014/03/03

عندما يكون السعي نحو تحقيق النمو بأي ثمن! فإنه يؤدي عادة إلى الفشل ويتسبب في أزمات اقتصادية، ويتحول إلى إدمان على النمو لمجرد التوسع الاقتصادي وتحقيق أهداف غير واقعية تؤدي الى خلق فقاعات قابلة للانفجار.

قد يحقق النمو الجامح خفضا كبيرا في فائض الحساب الجاري كما حدث في الصين، ما يجعل المخططين يشعرون بالنشوة لما حققوه، ولكن الآثار الجانبية يمكن أن تكون قاسية في المستقبل وهو ما يمكن أن يحدث في الصين.

فالإدمان على النمو الجامح وغير المدروس، يزيد اعتماد الاقتصاد بشكل رئيسي على الحلول قصيرة الأجل، ويتطلب ائتمانات مالية سهلة، وتقديم مواد خام مدعومة لتشجيع الانتاج بأسعار رخيصة وزيادة القدرة التنافسية لكنها بشكل غير عادل.

كثير من الدول تعتمد على هذا النمو المشوه بشكل دائم وليس مرحلي، مما يؤدي لتشويه الاقتصاد وإدمانه على ما يسمى بالنمو الكاذب أو النمو الخادع السحري، لأنه نمو بلا تنمية متوازنة وغير مستدام وغير حقيقي.

ومن الآثار الجانبية لهذا النمو تضخم الديون في الاقتصادات التي لا تمتلك موارد مثل النفط وتضخم القدرات الانتاجية بشكل يفوق الطلب. وقد تمكنت الصين من تقليل آثار ذلك مؤقتا بخفض عملتها لتجعل اقتصادها معتمدا على نمو الصادرات، لكن هذا الحل لا يوفر الاستدامة على المدى الطويل.

بعض الدول التي حاولت استنساخ هذا النموذج لم تتمكن منتجاتها من المنافسة عالميا، إلا بتركيز الاحتكارات في شركات كبيرة تمكنها من الصمود محليا وعالميا في مواجهة هزات انخفاض الأسعار، والصمود في السوق.

ويؤدي ذلك الى انهيار الشركات الصغيرة، لتبدأ مرحلة احتكار السوق من قبل الشركات الكبيرة التي تغرق الأسواق بسلع تقل قيمتها عن تكلفة الانتاج لضرب الشركات المنافسة وتكبيدها خسائر كبيرة، ومن ثم انهيار الشركات المنافسة مما يؤدي بعد ذلك الى ارتفاع الأسعار.

ينبغي على الحكومات التركيز على نوعية النمو، وعدم الامعان في توفير عوامل الإنتاج المدعومة إلى الأبد دون اعتبار لقوى السوق. وينبغي عدم الحكم على أي دولة أو حكومة من خلال سرعة النمو الذي تحققه، بل من خلال التطور الذي يتحقق في مختلف جوانب الاقتصاد، أي بخلق توازن بين النمو الاقتصادي وبين الكفاءة الاقتصادية.

تحقيق نمو مرتفع لم يعد مهما كما كان في السابق، وأصبح الهدف الآن تحقيق نمو ذي نوعية عالية، وهذا يفرض السماح للقطاع الخاص بأن يلعب دور أكبر من الحكومة، والسماح له بمنافسة الشركات الحكومية التي تفتقر إلى الكفاءة حتى يتم توزيع التمويل بشكل أفضل في الاقتصاد.

فالأموال الحكومية المخصصة للقطاع الحكومي لو استثمرت في القطاع الخاص لارتفعت الانتاجية بمقدار الضعف أو أكثر حسب نوعية كل قطاع.

لكن مثل هذا التحول ليس سهلا، خصوصا إذا لجأ المستثمرون إلى قروض قصيرة الأجل لتمويل مشاريع طويلة الأجل، فمعظم مثل تلك المشاريع لن تحقق أرباحا لسنوات طويلة، هذا إذا تمكنت أصلا من تحقيق أرباح.

لذلك ينبغي استثمار الأموال الحكومية على أسس قوية حتى لا تتحول قروض الشركات إلى مشكلة أكبر وحتى لا ترتفع قروض المؤسسات المملوكة للدولة والتزاماتها عن إجمالي الناتج المحلي كحد أعلى. ولكي لا تسقط الشركات الحكومية في الإفلاس فتضطر الحكومة لبيعها للمستثمرين.

تحويل القطاع الحكومي الذي يفتقر إلى الكفاءة إلى القطاع الخاص عبر برامج الخصخصة دون تخطيط محكم، ينطوي هو الآخر على مخاطر كبيرة. وقد يحول الشركات الخاضعة للخصخصة إلى قطاع ثالث يجمع بين البيروقراطية الحكومية وبين أطماع مصالح القطاع الخاص، فيؤدي الى عدم تحقيق الهدف من الخصخصة..


استاذ بجامعة أم القرى بمكة

11