خطر الزحف الجهادي يهدّد مصالح روسيا من القوقاز إلى القرن الأفريقي

الجمعة 2014/02/14
روسيا تخشى تصدير المتطرفين من دمشق

لندن - لا تزال مواقف الكرملين من الأزمة السورية واصطفافه إلى جانب النظام السوري يثيران استهجانا عالميا تواجهه موسكو بحجّة محاربة الإرهاب الذي يشكّله إسلاميو الشيشان والقوقاز القادمون من سرويا.

يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تغطية الانتقادات الكبيرة التي يتعرض لها بسبب دعمه بشار الأسد، من خلال إظهار روسيا كقوة تجاري الولايات المتحدة الأميركية في ثقلها العسكري والسياسي، وتبنيها مقاربة تظهر الانفتاح الروسي على الشرق الأوسط ولعب دور مؤثر فيه من خلال تأييدها ثورات الربيع العربي، رغم أنها في السابق كانت من معارضيها. ولكن موسكو في مقابل ذلك أظهرت ازدواجية في المعايير “الديمقراطية” التي تتدعي تبنيها بمساندتها نظام دمشق ضد الشعب السوري الذي يطالب بحقه في التحرر من النظام الاستبدادي والقمعي مثل سائر الدول التي تخلصت من ظلم حكامها.

وقد كان الحديث عن موقف روسيا من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا محور قراءة تحليلية لميخائيل مارغيلوف فيتاليفيتش، رئيس لجنة الشؤون الخارجية للمجلس الأعلى في البرلمان الروسي، وذلك في إحدى مناقشات المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية، "تشاتم هاوس".

الإسلاميون لم يترددوا في إعطاء الأولوية للزحف الإسلامي على حساب القضايا الاجتماعية والاقتصادية


الفوضى العربية


لم يتوقع أحد أن تنطلق موجات الربيع العربي من تونس تحديدا، ونحن نشهد اليوم نتائج هذه الثورات وتأثيرها على التطوّر الرّاهن للوضع في مصر وتونس وسوريا وليبيا.

ومن الواضح، وفق ميخائيل مارغيلوف فيتاليفيتش، أنّ الربيع العربي قد أدّى إلى تأثير عكسي على الوضع بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فالسلامة الإقليمية لمالي تقبع تحت الخطر الإرهابي الذي امتدّ إلى الساحل والقرن الأفريقيين.

في البداية، كان من المُسلّم أن تعوّض الأنظمة الإسلامية الأنظمة الدكتاتورية، بشمال أفريقيا، استنادا على ما اعتبره الخُبراء “إعادة التاريخ لنفسه”، ولئن تبقى القوة الدافعة الرئيسية وراء ظهور هذه الحكومات الجديدة وتمركزها هي المجموعات الاجتماعيّة –وخاصّة منها الشباب- وفكرها الأخلاقي الثوري، إلّا أنّ الإسلاميين لم يتردّدوا في إعطاء الأولوية للزحف الإسلامي على حساب القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي كان لها الفضل في إضرام نار “الربيع العربي”، كما أنّ الجماعات المتطرفة التابعة للإخوان المسلمين أعلنت الجهاد، تحت شعار الديمقراطية والشرعية، وبادرت بمطاردة كلّ معارضيها وتفجير الكنائس المسيحية مثلما وقع في مصر، بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي.

يرى فيتاليفيتش، أن ليبيا لا تزال تتخبط إلى حد ما في الفوضى، ورغم الاعتقاد السّائد أنّ الإسلاميين قد افتكوا مقاليد حكم البلاد، فإنّ الوجه الجديد للمعارضة يبقى بالمرصاد، في انتظار أن ينهار النظام الليبي الرّاهن بمفرده.

وكانت روسيا قد اتخذت موقفا صارما عندما نشبت الصراعات بليبيا، معارضة بذلك الموقف الغربي، حيث كانت تفضل حل الأزمة بالسبل الديبلوماسية وترفض حل التدخل العسكري.

كما صعّد النزاع الديني بين السنة والشيعة من التوتر الذي سببته النزاعات السياسية، ممّا انعكس سلبا على المشهد السياسي بالمنطقة ككلّ، فبرزت إيران الشيعية كأشدّ المؤيدين لرئاسة بشار الأسد الذي يمثل الطائفة العلوية في سوريا، فيما تساند كلّ من المملكة العربية السعودية وتركيا السنيتين المعارضة السورية.

الجماعات الإسلامية المتطرفة في أفريقيا

الربيع العربي أدى إلى تأثير عكسي على الوضع بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فالسلامة الإقليمية لمالي تقبع تحت الخطر الإرهابي الذي امتد إلى الساحل والقرن الأفريقيين


الموقف الروسي


حول الموقف الروسي من هذه الفوضى التي استشرت في المنطقة إثر “الربيع العربي”، يقول فيتاليفيتش “منذ البوادر الأولى للربيع العربي، تطابق الموقف الروسيّ إلى حد كبير مع الموقف الغربيّ، وإن كان أكثر اعتدالا من الموقف الفرنسي والأميركي، حيث عارضت روسيا أيّ تدخّل في معالجة هذه البلدان لقضاياها الدّاخليّة. ويستند هذا الموقف على تاريخ طويل من المحاولات الفاشلة في فرض الديمقراطية على الدول الإسلامية”.

و”قد وُصف الموقف الروسي من الربيع العربي بأنّه من مخلفات الحرب الباردة، إلّا أنّ روسيا لم تشكك قطّ، على عكس ما يُروّج، في قدرة الشعوب العربية على إرساء أسس ديمقراطية، بل نحن نؤمن أنّ الديمقراطيـة هي اختيار تتخذه هذه الدول ولا يمكن لأيـــــة قوة خارجية أن تفرضه عليها”.

تطرّق المحاور إلى دور السياسة الخارجية لروسيا تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مشيرا إلى أن “مواقف روسيا تعكس المبادئ الرسمية والمعلنة لسياستها الخارجية، بما يشمل تكريس جهود شاملة لتعزيز السلام والأمن والاستقرار، وإضفاء الطابع الديمقراطي على النظام الدولي، وصناعة القرارات بشكل جماعي في معالجة القضايا العالمية.

أمّا في تعاملها مع النزاعات الداخلية، فتعود روسيا بالنّظر إلى الأمم المتحدة وكذلك إلى مختلف الهياكل الإقليمية التي لها علاقة بالقضيّة العالقة، كالاتحاد الأفريقي، المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا –في حالة مالي- ومجلس التعاون الخليجي –في حالة اليمن.

ويقول المراقبون إن روسيا ترغب اليوم في العودة إلى مناطق كانت قد فقدتها في التسعينات: كالقارّة الأفريقية والشرق الأوسط. ولطالما كانت الحكومة الروسيّة واضحة بشأن اهتمامها بهذه المناطق -حتّى قبل بداية الربيع العربي- وذلك بتعزيز تعاونها العسكري والتجاري والاقتصادي مع عدة دول من المنطقة، وعلى رأسها سوريا ومصر وليبيا والأردن والمملكة العربية السعودية.

ورغم تباطؤ تنفيذ الصفقات القائمة مع الدول العربية نظرا إلى عدم استقرار الوضع خلال ثورات الربيع العربي إلّا أنّ روسيا سرعان ما جددت استعدادها للتعاون مع القادة العرب الجدد، على غرار استئناف اللجنة الحكومية المشتركة الروسية-المصرية للتجارة والتعاون الاقتصادي لنشاطها، والصفقة التي عقدتها شركة السكك الحديدية الروسية مع النظام الليبي السابق والتي لم تلغها الحكومة الليبية الجديدة.


مصالح استراتيجية


لروسيا مصالح في الشرق الأوسط، بصفة عامة، وفي سوريا بصفة خاصّة، باعتبارها أهمّ مورّد لأسلحتها، كما أنّ سوريا تُعد، من جهتها، أهمّ حليف لروسيا بالمنطقة. وفي كافة الأحوال، يُجمع المسؤولون الروس على أنّ السبيل الدبلوماسي يفرض اليوم نفسه كحلّ أخير لمعالجة القضية السورية، استنادا إلى الجهود المتضافرة للاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأميركية، وفي حال فشل الدبلوماسية، ستصبح سوريا معسكرا إرهابيا خطرا على المنطقة وعلى بقية أنحاء العالم، كما تروج روسيا.

في هذا الصدد يؤكد رئيس لجنة الشؤون الخارجية للمجلس الأعلى في البرلمان الروسي على تبنيه للأطروحة التي تروجها بلاده حول خطر الإرهاب انطلاقا من سوريا المهددة بذلك في حال سقوط نظام الأسد بالقول: ”يمثّل الخطر الإرهابي عاملا أساسيا في تحديد موقف روسيا من الشرق الأوسط، بدليل أنّ المصالح الروسيّة مُهدّدة اليوم بظاهرة تصدير الإرهاب، بالإضافة إلى انتشار الأسلحة النووية لتصل إلى حدودنا الجنوبية. لذلك تصبو روسيا إلى “تنظيف” الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وإيجاد حلّ دبلوماسي للملفّ النووي الإيرانيّ والسوري”.

6