خطر المثقف التقني

المشكلة الكبرى التي تشكل العقبة الأساسية في تطور بلداننا تتمثل في سياسات الهيمنة التي تمارسها سلطاتنا على المثقفين لتحويلهم إلى مجرد مسوقين لما تفرضه هي على المجتمع.
الجمعة 2018/06/22
ندرة فاعلية المثقف في المجتمع

في هذه اللحظات من تاريخنا المعاصر يحاول عدد من دارسينا فهم مشكلة نكوص المثقفين عندنا وندرة فاعليتهم في مجتمعاتنا، خاصة في هذه الظروف التي تتميز بالحركة التلقائية لشرائح من شبابنا، الذين حاولوا ولا يزالون يحاولون مساءلة بنيات التخلف في مجتمعاتنا وفي المقدمة ظاهرة الاستبداد المادي والسياسي.

وفي هذا الخصوص تطرح قضية دور المثقف الفاعل في قيادة المجتمع بقوة، الأمر الذي يستدعي التمييز بين المثقفين الفاعلين وبين فئتي المتعلمين والمتخصصين اللتين يوضحهما مفكر فرنسي مهم بحجم سارتر حينما أبرز في كتابه “دفاع عن المثقفين” قائلا إن “المتعلمين حتى وإن كانوا من حملة الشهادات العليا، وإن أصحاب التخصصات في الطب العام والهندسة والفيزياء والطب النفسي وغيرها من الحقول المعرفية ليسوا بمثقفين”. وجراء ذلك فهم في تقديره “أشبه ما يكونون بجوقة من التقنيين”.

ثم يواصل مبرزا “أما المثقف الذي يستحق هذا الاسم فهو ذلك الذي يتجاوز صلاحيته كتقني المعرفة”. ولاشكَ أن المثقفين الذين يصنفون في خانة التقنيين يتميزون غالبا بأنهم يذعنون للسياسة، ولا يقومون بمساءلة الحكام والمسؤولين، وفضلا عن ذلك فهم لا يناقشون نقديا المشاريع الوطنية بمختلف أنواعها، وهنا ينبغي ضرب بعض الأمثلة التي تحدد بوضوح سلبية تقنيي المعرفة في مجال التعليم على سبيل المثال لا الحصر.

إن المدرس كتقني المعرفة يلتزم فقط بتدريس المنهاج الذي يسند إليه، أما المدرس المثقف فإنه يقوم بتعديل ذلك المنهاج ويدخل عليه التحويرات حتى يضمن تطور التعليم في المنظومة التربوية، وفضلا عن ذلك فإنه لا ينأى بنفسه عن مناقشة أوجه التخلف التي تتضمنه النصوص المعتمدة في البرامج الدراسية، والتي تحشى بها أدمغة الطلاب والطالبات حشوا وذلك من أجل تجاوزها واستبدالها بنصوص تضمن فعليا إنجاز مهمة التحديث المادي والمعنوي وبناء الإنسان العصري في بلداننا على أساس غرس الثقافة، التي تلتزم بتحقيق ما يدعوه المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي بالرباعي الذي يحدده في “الدستور الخلقي، والذوق الجمالي، والمنطق العملي، والصناعة” علما أن تجسيد هذا كله في مجتمعاتنا مشروط بالضرورة بتفعيل وظيفة المثقف كمحرك أساسي لقطار التنمية وكقيادة فكرية وثقافية وأخلاقية في آن واحد.

لا شك أن المشكلة الكبرى التي تشكل العقبة الأساسية في تطور بلداننا تتمثل في سياسات الهيمنة التي تمارسها سلطاتنا على المثقفين لتطويعهم وتحويلهم إلى مجرد مبررين ومسوقين لما تفرضه هي على المجتمع سواء تعلق الأمر بنمط الحكم السياسي أو بالخيارات الثقافية والاجتماعية وهلمّ جرّا. على ضوء ما تقدم فإن ظاهرة المثقف التقني في مجتمعاتنا تتطلب نقاشا جديا أكثر من أيّ وقت مضى.

15