خطر طواغيت الجهاد

الثلاثاء 2014/01/14

جعل الإسلام مكانة شهيد المعركة الذي يقتل في الجهاد في سبيل الله عالية في الإسلام إذا ما خرج بماله ونفسه ولم يرجع بذلك من شيء، حيث أنه في الجنة مع النبيين والصديقين وحسن أولئك رفيقا.

وجازى الإسلام بالجنة الكثير من الأفعال التي هي دون الموت في سبيل الله وبعضها أفضل حتى من الموت، كالعمل الصالح في العاشر من ذي الحجة أفضل من الموت في سبيل الله، ولا أفضل منها إلا من خرج بماله ونفسه معا ولم يخرج بذلك من شيء، ولكن هذه الأعمال التي تساوي الجهاد في سبيل الله وتقاربه في الأجر لا يتم الترويج لها كما يتم الترويج للجهاد، وهنا مكمن المشكلة.

اصطلح على تسمية الحكم الذي يستمد قوانينه من الآلهة اسم “الحكم الثيوقراطي” وهو الذي يزعم أنه يتلقى أوامره مباشرة من الآلهة حتى يعطي من قوانينه قدسية لا تقبل النقاش وحتى تكون أوامره كالفروض الدينية، وهذا ما يمارسه اليوم بعض قادة الجهاد المزعوم، الذين تركوا أهل الأوثان وقتلوا أهل الإسلام وهذه صفة من صفات الخوارج كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد رأى هؤلاء من الإسلام الجهاد بالسلاح فقط ليروجوا له دون غيره من أوامر الله ودينه الذي فرضه علينا، والجهاد الذي روجوا له هو جهاد بفهمهم هم يخدم أجندة سياسية معينة أهم أهدافها ليس الكفار وإنما المسلمين في دول الخليج وأولها المملكة العربية السعودية التي هي الدولة الوحيدة التي تحكم بشرع الله.

لقد خصوا الترويج للجهاد بهذا المفهوم فقط لعدة أسباب، أولها وأهمها هو فهمهم القاصر للنصوص الشرعية، حيث لا تجد فيهم عالم شرعي واحد بتاتا مما يجعلهم يبتعدون كل البعد عن مقاصد الشريعة وأهدافها وشروط الجهاد الشرعي وكيفيته وأهدافه، مما ولد جهادا مسخا لا يشبه الجهاد في سبيل الله في أي وجه من الأوجه سوى الاسم.

وأما السبب الثاني فهو قصور إدراكهم السياسي مما جعلهم يسعون إلى حل مشكلات سياسية بطرق غير سياسية مما يجعل الحل مستحيلا، أما السبب الثالث فيكمن في القصور المعلوماتي لديهم مما جعلهم ألعوبة بيد أجهزة المخابرات الإيرانية والغربية تلعب بهم كيفما تشاء.

هذا الجهل الذي خالطه اتباع للهوى جعلهم يقعون فيما يحذرون منه ويحاربونه وهو الطغيان، حيث أصبح قادة هذا الجهاد المزعوم طغاة استرخصوا دماء المسلمين بل إنهم جعلوا قتل المسلم قربى إلى الله والعياذ بالله، فهم أرادوا محاربة الطغاة بزعمهم فأصبحوا طغاة عبدوا أهوائهم واستعبدوا أتباعهم واستباحوا الدماء المعصومة وطردوا من الملة كل من خالفهم في فهم النصوص، فأي طغيان أكثر من هذا والعياذ بالله؟

إن “القاعدة” والتنظيمات التابعة لها والمشابهة لها فكريا، ضلت ضلالا بعيدا باستهدافها للمملكة العربية السعودية وللمسلمين في الجيش الحر في سوريا وغيرهم من المسلمين، خصوصا وأنها اتخذت من إيران مقرا لها ومنطلقا لعملياتها التي تمول من قبل إيران، حيث يمكن لأي خبير عسكري أن يلاحظ أن أسلوب التفجير الذي يتبعه تنظيم القاعدة اليوم في العراق وسوريا هو أسلوب إيراني ومعدات ومواد إيرانية .

إن خطر طغاة الجهاد على الإسلام أكثر من العدو الواضح للإسلام، لأن طغاة الجهاد يمارسون طغيانهم باسم الدين فانتقموا ونكلوا وجعلوا القتل هدفهم، وجهلوا أن الجهاد إنما شرع لتكون كلمة الله هي العليا وليس لأجل القتل والتنكيل .

إنما شرع الجهاد للدفاع عن النفس وليسود الإسلامُ العدلُ الأرضَ، وليس قتل الأطفال والإعلاميين كما فعلت “داعش” من الإسلام بتاتا، إنما هو من تلبيس إبليس ومن أهواء النفوس.

لقد اعتمد هؤلاء على الخطاب التعبوي العاطفي مما جعلهم يغررون بالكثير من المؤيدين الذين هم في نظر هذه التنظيمات- التي ترفع راية الجهاد- كفار إما لموالاتهم لدولهم أو لأسباب أخرى عديدة ترى تلك التنظيمات أن فاعلها يكفر ويخرج من الملة، والمصيبة أن الجماهير المؤيدة لهذه التنظيمات والداعمة لها أحيانا تجهل أنها هدف من أهداف هذه التنظيمات وأن دماءها مستباحة.

إن فهم الدين لا يجب أن يكون بالأهواء وإنما بالإتباع كما فهمه أسلافنا من الصحابة ومن تبعهم، ولم يسلم الصحابة من القتل والتكفير حيث زعموا أنهم قتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكفروا علي ابن أبي طالب وقتلوه أيضا، فهذه المشكلة ليست وليدة اليوم والله المستعان.


كاتب صحفي كويتي

9