خطر موسيقى الأفلام

الأربعاء 2016/01/27

من أغرب وأعجب ما يمكن أن تقدم عليه بعض الحكومات أو المنظمات والهيئات، منع الموسيقى، أو أنواع معينة من الموسيقى. معروف طبعا أن طالبان وداعش وغيرهما من جماعات التطرف والإرهاب باسم الإسلام، تحظر الموسيقى تماما باعتبارها من المحرمات (لا ندري من الذي حرمها أصلا!)، لكن هناك جماعة أخرى في الهند تطلق على نفسها “أكاديمية رازا” وهي منظمة متشددة تعتبر نفسها مسؤولة عن رعاية شؤون المسلمين السنة في الهند، لها تاريخ معروف في التطرف والحض على العنف

هذه المنظمة أصدرت مؤخرا فتوى تدين الموسيقار الهندي الشهير رخاء الله رحمن الذي كتب موسيقى الفيلم الملحمي الإيراني “محمد رسول الله” الذي أخرجه المخرج الإيراني مجيد مجيدي، وهو الجزء الأول من ثلاثية تروي قصة رسول الإسلام، وانتشار الإسلام في العالم.

كان رئيس المنظمة الهندية، قد أرسل مذكرة يطالب فيها رئيس الحكومة المحلية في ولاية ماهاراشترا، اتخاذ خطوات قانونية ضد الموسيقار المشار إليه، بدعوى أنه كتب الموسيقى لفيلم عن النبي محمد، الأمر الذي يؤذي مشاعر المسلمين الهنود السنة.

ورغم ما أكدته إيران من أن الفيلم لا يظهر بأي حال، النبي محمد، إلاّ أن بيان المنظمة يستنكر أن يصور الفيلم الرسول الكريم، كما يستنكر وضع اسمه على عنوان فيلم سينمائي.

لم تستجب السلطات لمطلب منظمة رازا التي تعتبر نفسها أكاديمية، تيمنا بإطلاق صفة علماء على مشايخ الدين، فأصدرت فتوى بحظر موسيقى الفيلم، ومنع مؤلفها من العمل، بل وتقديمه للمحاكمة، وربما تدعو غدا إلى قتله أيضا. من القصص المثيرة لمنع الموسيقى أيضا، قصة منع السلطات الألمانية موسيقى الفيلم الروسي الشهير “المدرعة بوتمكين” (1925) لسيرغي أيزنشتاين.

فقد كلف الموزع الألماني للفيلم، الموسيقار النمساوي إدموند مايزل (1894/ 1930) بكتابة موسيقى مصاحبة للفيلم الصامت تمهيدا لعرضه في برلين عام 1926، وقام مايزل، وهو موسيقار مرموق، بكتابة الموسيقى في 12 يوما، وجعلها متطابقة ومتفقة مع إيقاع ذلك الفيلم الثوري، الذي كان يصور قصة تمرد البحارة الروس العاملين على متن السفينة الحربية الروسية بسبب سوء معاملة الضباط لهم، ثم أعلنوا الثورة على رؤسائهم والاستيلاء على البارجة الحربية والانضمام إلى ثورة الشعب في أوديسا عام 1905، وهي الثورة التي لم تنجح، لكنها اعتبرت نذيرا بالثورة البلشفية في 1917.

جاءت موسيقى مايزل شديدة القوة والتأثير، وأضفت على الفيلم رونقا خاصا، وجعلته عملا يرقى إلى مستوى أعمال الفن الكلاسيكية الكبرى، ولكنها كانت أيضا شديدة التأثير في المشاهدين المستمعين ولم يكن العالم قد عرف الأفلام الناطقة بعد، وخشيت السلطات من قوة تأثير الموسيقى وقدرتها على إثارة الجماهير، فاستصدرت قرارا بحظر الموسيقى مع الإبقاء على عروض الفيلم. وكانت تلك -ولا تزال- سابقة غير مسبوقة في التاريخ، لكن تاريخ المنع والحظر مليء بالكثير من الغرائب والعجائب، وسيأتي غوبلز، وزير دعاية هتلر في ما بعد، ليمنع الفيلم نفسه وكل الأفلام السوفييتية.

موسيقى مايزل باقية ومازالت تُعزف بمصاحبة الفيلم الكبير الذي دخل تاريخ السينما كأحد أعظم الأفلام في تاريخها، ومازالت التسجيلات المتوفرة لموسيقى مايزل تباع بكميات كبيرة في المكتبات الموسيقية حول العالم، علما بأن مايزل كتب أيضا الموسيقى لعدد من أشهر الأفلام السينمائية الصامتة مثل التحفة الألمانية الشهيرة “برلين سيمفونية مدينة عظيمة” (1926) للمخرج وولتر روتمان.

وعاد أيزنشتاين نفسه فاستعان بمايزل لكي يكتب له موسيقى فيلمه الأشهر “أكتوبر” (1928) الذي واجه المتاعب مع السلطة الستالينية، واتهم من قبل لجنة الثقافة التابعة للحزب الشيوعي بالإغراق في الشكلانية وتمثل المفاهيم البورجوازية في الفن، مبتعدا عن تصوير فكر “البروليتاريا” كما ينبغي، وقد أرغم أيزنشتاين على تقديم اعتذار رسمي أمام اللجنة، وهي قصة أخرى من قصص الصراع بين الفنان والسلطة الغاشمة.

ناقد وكاتب من مصر مقيم في لندن

16