خطر يداهم المجتمع الجزائري اسمه الطلاق

ظاهرة الطلاق والخلع في الجزائر ناهزت الـ70 ألف حالة خلال عام 2017، منها حوالي 15 ألف حالة خلع.
السبت 2019/01/26
علاقة سعيدة لتوازن أفضل

عرفت المحاكم الجزائرية في السنوات الأخيرة ارتفاعا قياسيا لنسبة الطلاق لكن الجديد في الأمر هو تسجيل أكثر من 70 بالمئة من حالات الطلاق التي كان سببها فشل العلاقات الجنسية بين الطرفين. ظاهرة الطلاق ليست بالجديدة في سجل المحاكم العربية والدولية، لكن الأمر الذي يلفت الانتباه هو تفشيها الخطير في المجتمع الجزائري بسبب عدم التوافق الجنسي الذي أصبح موضة العصر.

الجزائر - باتت المنظومة الاجتماعية الجزائرية أمام أخطار كبيرة تهددها بالانفجار والتفكك، في ظل تفاقم ظاهرة الطلاق والخلع خلال السنوات الأخيرة، لأسباب مازالت محل تضارب بين المختصين والفاعلين الذين أطلقوا أجراس الإنذار لمراجعة الكثير من المسائل المتصلة بسيرورة المجتمع، لإنقاذ أجيال جديدة تتقاذفها التداعيات النفسية والتركيبة الذهنية، ومستقبل رجال المستقبل.

وأكدت تقارير رسمية التفاقم الخطير لظاهرة الطلاق والخلع في الجزائر، حيث ناهزت الـ70 ألف حالة خلال عام 2017، منها حوالي 15 ألف حالة خلع، ما يمثل نحو 20 بالمئة من الإحصائيات الإجمالية، ودعت إلى ضرورة مراجعة العديد من المسائل المتصلة بالبناء الاجتماعي والعلاقات الأسرية.

وحذّرت هيئة المجلس الإسلامي الأعلى التابعة لرئاسة الجمهورية، من مغبة التغافل عن هذه الظاهرة، بسبب امتداداتها وتداعياتها على تنشئة الأجيال الجديدة، خاصة وأن الطفولة هي المهددة بالنمو في أجواء أسرية غير نموذجية، وتحت ضغوط ومشاحنات تحولها إلى أزمات اجتماعية خطيرة تهدد المجتمع بالانفجار والتفكك.

أبواب القطيعة

فاجأ مدير مصحة “العافية” الخاصة بالعاصمة محمد بوجناح، الرأي العام الجزائري، بأحد الأسباب الرئيسية الصادمة التي تقف وراء حالات الطلاق، خاصة الخلع، والمتمثلة في عدم التوافق الجنسي بين الزوجين، وما يساهم في ذلك هو حساسية المسألة التي تبقى محل تجاذب خفي بين الطرفين، ولا يمكن لمبادرات الوساطة والتسوية من محيطهما بالاطلاع على السبب الحقيقي للخلاف بينهما. وذكر بأن “المشكلة بدأت تطفو على السطح، من خلال إفصاح بعض رواد المصحة عن عدم توافق جنسي بين بعض الأزواج، ودخولهم في خلافات عميقة وصلت بالبعض منهم إلى أبواب القطيعة والقضاء، لكن أطباء المصحة استطاعوا احتواء الكثير من الحالات، ووضعوا الأزواج على السكة الصحيحة للعشرة الزوجية”.

وصرّح المحامي علي بوعبدالله، لـ”العرب”، بأن “المحاكم المختصة في شؤون الأسرة، باتت تستقبل ملفات المشاكل الزوجية بشكل مطرد، وأنه رغم جلسات الصلح والتسوية التي يقيمها القضاة للأزواج، فإن حالات الطلاق والخلع صارت لافتة للانتباه، وتؤشر إلى أزمة حقيقية يتخبط فيها المجتمع في صمت”.

وأضاف أن “العلاقات الأسرية لم تتماش مع التحولات الاجتماعية، فلازالت تفتقد للصراحة والوعي اللازمين بإقامة مشروع الأسرة الجديدة، فنصادف يوميا حالات طلاق أو خلع لزوجين لم تمر إلا أشهر قليلة على حفل زفافهما، والتناغم الذي كان بين الزوجين تحول في ظرف قصير إلى مشاحنات وقطيعة غالبا ما يدفع ثمنها طفل أو أطفال ينشأون في ظروف غير مثالية”.

وصرّح أستاذ علم الاجتماع في جامعة الجزائر نورالدين بكيس، بأن “العلاقات الزوجية في حاجة إلى مراجعات تشريعية واجتماعية، ولا بد على المشرع أن يخضع المقبلين على الزواج إلى اختبارات شخصية ونفسية وذهنية، لتبيّن جدارة كليهما ببناء أسرة جديدة، وذلك لتفادي الانهيار والتفكك اللذين يهددان الأسرة الجزائرية”.

وسرد إطار متقاعد رفض الكشف عن هويته لـ”العرب”، رواية صادمة عن سبب طلاق ابنته الطبيبة بعد أشهر قليلة
من زواجها من طليقها المحامي، “كنت في الأول أجهل أسباب الخلاف بينهما، وكثيرا ما أتفاجأ لمشاحنات تقع بينهما، كونهما راشدين وجامعيين، فهي طبيبة وهو
محام”.

وأضاف “في البداية كانت تتمنع عن ذكر أسباب خلافاتهما، وحتى هو نفسه كان يرفض الإدلاء بسبب ما مقنع، وشيئا فشيئا ازدادت شكوكي حول المسألة، ولما زاد إصراري على زوجتي لاطلاعي على الأمر، فاجأتني بحقيقة صادمة، وهو عدم توافق جنسي بينهما، لأنه كان يطلب منها ممارسات ‘شاذة’، وهو ما رفضته البنت وطلبت الطلاق”.

وتابع “رغم أن الحالة استثنائية، إلا أنها أماطت اللثام عن واقع اجتماعي مسكوت عنه، ورغم حقها في طلب الطلاق، إلا أنها لجأت إلى خيار الخلع وتنازلت عن جميع حقوقها المادية والمعنوية، لاستحالة استمرار الحياة الزوجية مع شريكها، وللتملص من أي إكراه قد يفرضه عليها، بعدما فشلت بكل الوسائل في إقناعه بعدم شرعية وصحية طلبه الغريزي لاسيما وأنها طبيبة، وخلصت إلى أنه لا بديل لها سوى الانفصال”.

رجال في ورطة
رجال في ورطة

وأكد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بوعبدالله غلام الله، أن “حالات الخلع انتشرت بشكل رهيب، وأن هيئته ستتقدم بحزمة اقتراحات وإجراءات للحكومة، من أجل احتواء الظاهرة، بإدراج تدابير جديدة تحد من الأسباب الواهية لاستفحال الخلع”.

ولفت إلى أن “دور القاضي في المحكمة ليس فقط لتطبيق القانون وإصدار أحكام الطلاق والخلع، وإنما يجب أن يتمحور دوره حول إيجاد وسائل لرأب الصدع، وإعادة الأزواج لبعضهم، وهو ما يتطلب تكوينه في جميع النواحي الثقافية والاجتماعية، ليكون على دراية بتكوين المجتمع، والإلمام بمسائل الشريعة، كما أن رغبة القاضي تعتبر عنصرا أساسيا في هذا الأمر”.

وفي المقابل ترى أستاذة الحقوق والعلوم السياسية بجامعة بجاية زبيدة أفروفر، أن “الطلاق والخلع هما حق شرعي وقانوني خول للمرأة للخروج من المشاكل الزوجية التي لا حل لها، وأن استفحال الظاهرة يعود إلى تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة، والذي يحدث في الغالب هو التأويل الخاطئ لقانون الأسرة الصادر عام 2005”.

السبب الحقيقي

تعتبر المشاكل الجنسية، ممثلة أساسا في اضطرابات الجماع كالعجز الجنسي أو القذف المبكر أو السادية أو العنف أو الشذوذ أو غيرها، العوامل الأولى والحقيقية وراء ظاهرة الطلاق المبكر وإن وجدت أسباب أخرى إلا أن بعضها غطاء لهذا السبب تحديدا.

وقد طالب باحث شرعي بضرورة تدريس الجنس في المدارس لتلافي المشاكل والأمراض التي تنشأ في العلاقات الحميمية بعد الزواج، مشددا على أن المشاكل الجنسية قد تكون سببا في إنهاء الحياة الزوجية إذا تضرر أحد الطرفين، وأكد في الوقت نفسه على ضرورة التركيز على تطوير الطب الجنسي بإضافة أبحاث متعلقة بسيكولوجية الإنسان العربي، وتطوير المناهج التعليمية لمحو الثقافة السائدة حول العلاقة الحميمية والمفاهيم الخاطئة.

وأوضح منصور بوبكر، أستاذ في علم النفس بالمركز الجامعي لوادي، أن المشاكل المتعلقة بالحياة الجنسية بين الزوجين هي السبب الكامن وراء ظاهرة الطلاق المبكر، وذلك في حال حدوث ما يعرف بصدمة بداية الزواج، حيث يمكن أن يكتشف الزوج شيئا في زوجته أو العكس.

وقد يعتقد البعض أن المرأة يمكن أن تواصل حياتها مع رجل لا يعطيها حقها في الفراش وتفضل ذلك على أن تحمل لقب مطلقة في حين الرجل لا يستطيع الصبر إذا كانت زوجته تعاني برودا جنسيا ولا يتردد في تطليقها وهذا ما نفاه منصور. وأكد أن مشكلة الجهل الجنسي عند الكثير من الرجال تكون سببا في عدم تمكنه من إشباع رغبة زوجته الجنسية.

تحول اجتماعي كبير في طبيعة الأسرة الجزائرية
تحول اجتماعي كبير في طبيعة الأسرة الجزائرية

وأكد ذات المتحدث أن 70 بالمئة من أسباب الطلاق المبكر سببها عدم التوافق الجنسي لأن الغاية الأولى من الزواج هي الاستمتاع ووقاية النفس من الوقوع في المعصية، فالهدف الجنسي هو أساس الزواج ما يجعل المرء يفضل الطلاق مبكرا بمجرد أن يخيب ظنه في الطرف الآخر.

وقد بينت الدراسات أن العلاقة الجنسية تساهم كثيرا في تجاوز المشاكل بين الزوجين، فهما يستطيعان من خلال تلك المساحة التي تجمعهما في القضاء على المشاكل التي تعتري الحياة الزوجية، إضافة إلى الأمراض الجسدية من ضغط وتوتر نفسي وغيرهما.

ويعتبر باحثون ارتفاع معدلات الطلاق في الجزائر دليلا على “تحول اجتماعي كبير في طبيعة الأسرة الجزائرية”.

ووصف وزير العدل الجزائري هذه الأرقام بأنها “زلزال يهدد كيان الأسرة الجزائرية، ويخلف آثارا سلبية على المجتمع والعائلة، وخصوصا على الأبناء”.

وأضاف التقرير ذاته أن “حالات الطلاق تتنوع بين الطلاق بالتراضي، والطلاق المطبق من طرف القاضي، والطلاق بالإرادة المنفردة”.

وقالت النائبة فاطمة سعيدي “خلال السنوات الخمس الماضية، سجلت أكثر من 300 ألف حالة طلاق، ولو فرضنا أن كل عائلة فيها طفلان، يكون عدد الأطفال الضحايا أكثر من 600 ألف طفل يعيشون في ظروف أقل ما يقال عنها، أنها غير طبيعية بحكم انفصال الوالدين”.

وقالت المنظمة الجزائرية للمرأة، إن هذه الإحصائيات تثير مخاوف حقيقية بشأن استقرار العائلة الجزائرية، التي تعيش على وقع انتهاء بفشل العديد من الزيجات. وطالبت رئيسة المرصد الجزائري للأسرة شائعة جعفري بضرورة فتح تحقيق وطني لبحث أسباب ارتفاع الطلاق، ما يهدد بتفجير الأسرة الجزائرية ويقضي على قدسية الزواج.

وشددت رئيسة المرصد الجزائري للأسرة في تصريح إعلامي على ضرورة “التعجيل في تنصيب لجنة وطنية مشتركة تضم ممثلي الهيئات الرسمية وخبراء ومختصين لبحث أسباب انتشار الشقاق الزوجي في الجزائر وما يترتب عنه من ضحايا بمئات الآلاف للأطفال والنساء الذين يحتضنهم الشارع وتعصف بهم الآفات الاجتماعية”.

وطالب بعض المختصين بضرورة إدراج مسألة القدرة الجنسية للرجال في ملف الفحص الطبي للمقبلين على الزواج لتجنب المشاكل وإيجاد حلول مناسبة، للحد من الخلافات القائمة بين الأزواج، والتي باتت تطفو على السطح مؤخرا أهمها مشاكل الفراش.

وفي هذا السياق تحدث بشير بقاح، المحامي لدى مجلس قضاء الجزائر عن القضية من جانب قانوني، وقال إن اقتراح إدراجها (القدرة الجنسية) ضمن ملف الزواج في محله، موضحا أن مشاكل الضعف الجنسي تعد من الأمراض التي ينبغي التصريح بها، وإلا فإن إخفاءها يدخل في إطار التدليس الذي لا يقبله القانون، موضحا أنه وفي حالة فرض إجراء فحوصات تتعلق بالقدرة الجنسية لكلا الزوجين، فإن ذلك سيحد من حالات الطلاق الناتجة عن مشكلة الجنس.

ومن جهته، أوضح المحامي لدى مجلس قضاء البرج، مراد بوخروبة، أن المادة 53 من قانون الأسرة حدّدت مشكلة الضعف الجنسي وجعلتها من أسباب طلب الطلاق، سواء تعلق الأمر بالعجز عند الرجل أو العقم عند النساء.

وعلى عكس المحامي بقاح، يرى بوخروبة أن إدراج مشكلة العجز في الملف الطبي للمقبلين على الزواج، فيه بعض السلبيات، رغم أنه قد يحدّ من حالات الطلاق التي تكون سببها هذه المشكلة، فإذا كان شرطا وجوبيا فهنا سينقص من “رضا” الزواج، فهنا يحتم المشرع الزواج على فئة معينة من الناس دون سواها وهذا سيؤثر سلبا على تكوين الأسر لأنه يوجد من يعاني من ضعف جنسي لكنه قادر على الإنجاب من خلال التلقيح الاصطناعي، أما إذا كان اختياريا، فهنا الأمر عادي حيث يمكن للزوجين إجراء التحاليل اللازمة وإذا كان هناك رضا بين الطرفين مع علمهما بالنقص، فإن الطرفين هما اللذان يتحملان مسؤولية اختيارهما.

قدسية الزواج على المحك
قدسية الزواج على المحك

 

20