خطوات عرجاء

اليوم يمكن القول متى كان مارادونا قادرا على السير قدما نحو أفق التوهج التدريبي وكل خطواته التدريبية كانت "عرجاء".
الأحد 2019/11/24
مارادونا لم يجد الوصفة المثالية للخروج من النفق

ثمة مسار ومصير يرتبطان بمسيرة كل لاعب، خاصة أولئك الرائعين منهم والذين خلّدوا أسماءهم في التاريخ الكروي، وباتوا من الأساطير الذين لن تلفظهم الذاكرة الجماعية أبدا.

قطعا إن عددا كبيرا من المولعين بكرة القدم العالمية يتساءلون اليوم متى تحين ساعة اعتزال ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو على سبيل المثال؟

ماذا ينتظرهم عقب الوصول إلى مرحلة “الشيخوخة” الكروية؟ كيف يمكن لمثل هؤلاء اللاعبين استثمار النجاح السابق والاستمرار دوما في القمة والأهم من ذلك في الواجهة؟

ربما يكون النجاح في العادة مؤقتا أو لنقل مرتبطا بفترة قصيرة في مسيرة أي لاعب، إذ لا يكاد مشواره في ميادين الكرة يقتصر على خمسة عشر عاما بالكاد، ثم تحين ساعة الرحيل.

وهنا يمكن التفصيل الأهم، هنا تتربص هواجس “خريف العمر الكروي” بكل لاعب معتزل، وهنا أيضا قد تبرز حكمته وقدرته على التعامل والتعاطي مع وضعه الجديد.

الكثيرون منهم جربوا حظهم في ميدان التدريب، وعدد منهم نجح وحقق النجاح، الأمثلة عديدة في هذا المجال، على غرار الفرنسي ديدييه ديشامب وأنطونيو كونتي..

بعضهم الآخر ابتعد كليا عن أضواء الكرة واختار مجالا آخر مثل الفرنسي إيريك كونتونا الذي عشق بعد الاعتزال التمثيل والموسيقى.

واختار البعض الآخر ميدان التحليل أو تولي مسؤوليات إدارية على غرار تجربة البرازيلي رونالدو الذي يتولى حاليا رئاسة فريق بلد الوليد الإسباني، وثمة من خاض بعد الاعتزال أغلب هذه التجارب والأمر هنا ينطبق على الألماني فرانتز بيكنباور.

بيد أن “أيقونة” الأرجنتين وساحر كل الأجيال دييغو مارادونا، ذلك اللاعب السابق الذي كان فتى “خرافيا” أدهش الجميع بمهاراته الاستثنائية، وكان منقذا وقائدا فذا قاد منتخب بلاده ونادي نابولي إلى أعلى الدرجات.

مارادونا، وأي حديث قد يوفي حق لاعب قلب الدنيا، وغيّر خارطة الكرة العالمية، لاعب كانت عروضه في الملاعب أشبه بعرض مسرحي يعانق السماء، فيغمر الكل بمتعة لا تضاهى.

تتالت السنوات وانقضت مرحلة التوهج، تاه مارادونا في “مستنقع لعين”، اعتزل وغادر الملاعب من الباب الخلفي، وهو من جنى على نفسه بسبب تهوره وانغماسه في عالم استهلاك المواد المحظورة. سعى “ساحر  الأجيال” بعد ذلك جاهدا للدفاع عن مجده التليد، حاول بكل جهده أن يظل دوما في القمة، فخالجته الرغبة في خوض تجربة التدريب.

اسمه فقط يغري أي فريق ومنتخب في منحه فرصة اقتحام غمار عالم التدريب، وفعلا أتيحت له بعد “التخلص” نسبيا من تبعات “نزواته”..

كان أمام فرصة تاريخية للاقتداء بـ”قيصر” ألمانيا بيكنباور عندما درب منتخب الأرجنتين في مونديال 2010، لكنه فشل ولم تكن لديه أي صفة من صفات الماضي.

بقي دوما في الواجهة، وفي كل مرة يغتنم فرصة وجود عرض تدريبي كان يوافق، فخاض التجربة تلو الأخرى، لكن كانت كل خطواته “عرجاء”، لم يكن ثابتا، فتمايل ذات اليمين وذات الشمال، قبل السقوط.

سقطات نجم الأرجنتين كانت متلاحقة، ففي كل مناسبة يظفر خلالها بعقد تدريبي، كان لا يقدر على إعادة مجده الماضي، وكل تجاربه في عالم التدريب كانت متواضعة.

الأكثر من ذلك أن أسهمه في هذا المجال تراجعت كثيرا، فبعد تدريب منتخب بلاده، بات يقبل بتدريب أي فريق حتى وإن كان في درجة متدنية وفي دوري متواضع.

اليوم بدت صورة واقع مارادونا متماهية تماما مع هذا التوصيف؛ فمارادونا الذي قبل بتدريب فريق مكسيكي من الدرجة الثانية، التقطته عدسات المصورين، وهو يمشي بخطوات متثاقلة وغير متناسقة في أول حصة له مع هذا الفريق.

ربما لخصت تلك الصورة كل ما سيحدث معه في هذه التجربة التي بدت منذ الوهلة الأولى متطابقة مع أغلب تجاربه السابقة.

خلال الفترة الأخيرة ربما استشعر مارادونا الفشل من جديد، لم يجد الوصفة المثالية للخروج من النفق، لذلك قرر الرحيل معللا ذلك بغياب مقومات النجاح.

لكنه تراجع بعد ذلك عن الاستقالة، تراجع لأنّ جانبا كبيرا من أنصار هذا الفريق المكسيكي ما زال يعتقد أن مارادونا لا يزال يملك “عصا سحرية” يقدر بها على التغيير.

تظاهر عدد كبير منهم من أجل بقاء “الفتى الذهبي” على رأس الفريق، فعدل مارادونا وعاد إلى عمله. عاد وكأنه ما زال يصرّ على استرداد شبابه، عاد ليعاند فصول الخيبات التي لاحقته سواء على المستوى الشخصي أو في تجاربه التدريبية.

لكن كل الخطوات ظلت “عرجاء”، قديما قيل “متى يستقيم الظل والعود أعوج؟”، واليوم يمكن القول متى كان مارادونا قادرا على السير قدما نحو أفق التوهج التدريبي وكل خطواته التدريبية كانت “عرجاء”؟

23