خطوات مرتبكة لتطوير ميناء الفاو الكبير

الأربعاء 2016/02/10

تصلح تصريحات المسؤولين العراقيين بشأن تطوير ميناء الفاو الكبير، كنموذج للعشوائية والفوضى وقلة الإدراك والحرفية، في إدارة الملفات الاقتصادية. ويخرج المتابع بأنها تصريحات مرتجلة لمجرد الحديث لوسائل الإعلام.

فهي تارة تؤكد أن المشروع قطع شوطا طويلا، ووصل إلى مرحلة اختيار الشريك الدولي، وطرح أسهم المشروع على المواطنين العراقيين، لتمويل المرحلة الأولى من المشروع.

لكن تفاصيل التصريحات تكشف بين جملة وأخرى أن المشروع لا يزال مجرد فكرة في رأس المسؤولين، ليظهروا بمظهر من يعمل على إنجاز مشروع كبير.

الفكرة التي جرى الحديث عنها، تتحدث عن طرح 51 بالمئة من أسهم المشروع على العراقيين لجمع 1.4 مليار دولار، والبحث عن شريك دولي يحصل على نسبة 49 بالمئة من عوائد المشروع لمدة 30 إلى 40 عاما، وهي طريقة معتمدة عالميا في تمويل المشاريع الاستراتيجية.

وتعد طريقة التمويل في خطوطها العامة سليمة وهي تبدو من الخيارات القليلة المتاحة أمام العراق، في ظل أزمته المالية الخانقة التي لا تسمح له بضخ أي استثمارات في المشاريع العامة، وهي تصلح لتكون نموجا لتمويل المشاريع الاستثمارية، في ظل انهيار كامل البنية التحتية والشلل الاقتصادي التام.

لكنها بحاجة إلى دراية فنية ومالية رفيعة، لتصل إلى أرض الواقع، والوصول إلى طرح مناقصة عالمية لاختيار التصاميم التفصيلية وإنجاز دراسات لتحديد المساحات والمنشآت التي سيتم بناؤها وتكاليف إنجازها، ليتم بعد ذلك تحديد قيمة الطرح، قبل الإدلاء بتصريحات مليئة بالتناقضات.

المعلومات التي قدمها مؤخرا، مدير المشروع تبدو مهلهلة وهي تتحدث عن خطط متناثرة لا رابط بينها، وتكشف أن المشروع لا يزال مجرد فكرة ارتجالية.

وتتخبط التصريحات بالذهاب إلى أن المشروع الذي أطلق عليه “شركة البصرة القابضة” سيضم جميع مشاريع المحافظة، لتخلط بذلك جميع الأوراق وتكشف أنه في الواقع بلا ملامح محددة على الإطلاق.

فالحديث عن أن الشركة ستكون نواة لإدارة مشاريع المحافظة، يكشف جهل المسؤولين، إذ كيف سيتم الجمع بين المشاريع، وما هو المطروح بالتحديد؟ إذ لا يمكن أن تطرح للبيع مشروعا غير محدد الأصول بجميع تفاصيلها.

حاجة الميناء في هذا المنفذ البحري الضيق أصبحت أكثر من ملحة، بعد انغلاق معظم المنافذ الأخرى على الأردن وتركيا بسبب سيطرة تنظيم داعش على المناطق المحاذية لتلك الدول أو الطرق البرية المؤدية إليها.

لكن المشكلة تكمن في أن عامل الثقة مفقود من قبل الشركاء الدوليين لعدة اسباب انطلاقا من سوء الإدارة وانتشار الفساد، وصولا إلى الفوضى وانهيار الوضوع الأمني في البصرة، الذي وصل في الأسابيع الأخيرة إلى مواجهات بالأسلحة الثقيلة بين العشائر، التي تغذيها أطراف سياسية.

كما أن المواطنين العراقيين الذين ستعرض الأسهم عليهم لا يثقون بالدولة، وقد سخر الكثير منهم من المشروع، ومن أفكار أخرى لطرح سندات محلية على المواطنين لتغطية العجز القاتل في موازنة الدولة.

قد يكون هناك بصيص أمل ضئيل بعد خضوع العراق لمراقبة صندوق النقد الدولي، الذي يمكن أن يرفع ثقة المستثمرين المعدومة حاليا، لكن الطريق لا يزال طويلا.

كل ذلك يجري في وقت تؤكد فيه الكويت على تنفيذ ميناء مبارك الكبير في جزيرة بوبيان وبالتفاصيل الفنية الدقيقة، وهو مشروع أثار في السابق أزمة سياسية بين البلدين، لأن تلك الأعمال تجري في نفس الممر المائي الضيق الذي يطل منه العراق على الخليج.

ويبدو الغرض من إنشاء الكويت للميناء في أقصى شمال البلاد، ليس مصمما لخدمة الكويت، بل لخدمة المستوردين والمصدرين العراقيين وربما في أحلام أخرى ربط الخليج بتركيا وأوروبا، رغم أنه غير واقعي.

وفي ظل الفوضى العراقية يبدو أن على السياسيين أن يصمتوا عن المزايدات، فالتجار سيفضلون على الدوام استيراد وتصدير بضائعهم بخدمة وتسهيلات أفضل ورسوم أدنى.

الأمثلة كثيرة في أنحاء العالم، بل وحتى في المنطقة، فالسعودية ذات السواحل الطويلة على الخليج والبحر الأحمر تستورد الكثير من بضائعها عن طريق الموانئ الإماراتية بسبب الجدوى الاقتصادية والتسهيلات الأفضل. وإذا استمر تخبط مشروع ميناء الفاو واكتمل ميناء مبارك، فمن الصعب اقناع التجار بشعارات سياسية بعد استخدام ذلك الميناء.

11