خطوة أولى في طريق المعجزة العالمية الثانية

الأحد 2016/10/30

بعد موسم سابق أشبه بقصص الخيال، بل ربما يمكن إدراجه ضمن قصص ألف ليلة وليلة بالنسبة إلى نادي ليستر سيتي الإنكليزي بعد أن جاء من الخلف وخاض سباقا قويا للغاية سبق خلاله الجميع وتوّج بلقب الدوري الإنكليزي الممتاز، عاد الفريق إلى أرض الواقع وبدأ يتأقلم مع ظروفه الجديدة التي جعلته حاليا في وسط الترتيب بعد مرور عشر جولات من انطلاق الموسم الجديد.

اليوم إذن بدأ نادي ليستر سيتي يعيش واقعه الجديد، حيث بدا أمامه التنافس مع فرق محلية تتفوق عليه من حيث المال والعتاد والرصيد البشري صعبا وقويا للغاية، لذلك بات الطموح والهدف المعلن منطقيا هو ضمان البقاء بالدرجة الأولى ومحاولة إنهاء الموسم في ترتيب جيد.

لم يعد بمقدور صانع المعجزات الموسم الماضي المراهنة بنفس الروح و”القتالية” مثلما حدث سابقا، ومثلما يقال فإن “شجاعة الفرسان لا تضمن دوما الفوز والنصر أمام قوة عتاد المنافسين والخصوم”، وبما أن ليستر عرف في الموسم الماضي كيف يستغل نقاط ضعف منافسيه وتشتّت قواهم وارتباكهم، فإنّ شحذ الهمم حاليا بدا وكأنه أشبه بمحاولات يائسة للغاية لن تجدي نفعا في ظل مراجعة هؤلاء الخصوم لحساباتهم، فأعادوا البناء من جديد والتموقع في الصفوف الأمامية من أجل تحدي ليستر سيتي وانتزاع اللقب الغالي منه.

لم يعد ينفع كثيرا “سلاح” جيمي فاردي ذلك المهاجم القادم من الأزقة الخلفية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى “الثعلب” الجزائري رياض محرز الذي لم ينجح بعد في مواصلة فرض هيمنته في المنافسات المحلية، رغم قدوم مواطنه الهداف إسلام السليماني، لكن رغم كل شيء يبقى الحلم الراهن والآتي بالنسبة إلى الفريق هو محاولة إنهاء الموسم بسلام ضمن الصفوف الأمامية، وهذا هو مربط الفرس.

في نهاية الموسم الماضي قال الإيطالي كلاوديو رانييري مدرب ليستر سيتي و”عرابه” الشهير إن الوصول إلى القمة أمر سهل حتى وإن وصفه البعض بالمعجزة، لكن المعجزة الحقيقية هي الصمود أمام “لفحات وقرصات” الخصوم الأقوياء.

لقد أدرك رانييري أن المهمة الآن ستكون أصعب بكثير ولا مجال مرة أخرى للمراهنة بشكل جدي للغاية على لقب الدوري، مادام الجميع يتربص بنادي ليستر ويريد اقتناص الفرصة للحصول على اللقب هذا الموسم.

لذلك حوّل ليستر مع مدربه الوجهة وأدار “ظهره” للدوري المحلي، خاصة وأن هنالك “صيدا سمينا” وأكثر قيمة من الدوري الإنكليزي الممتاز.

نعم.. فحلم ليستر الكامن والخفيّ، الظاهر والمعلن هو المنافسة بجدية من أجل الوصول إلى أبعد نقطة في منافسات دوري أبطال أوروبا ولم لا الوصول إلى المربع الذهبي في أمجد الكؤوس الأوروبية.

صراحة قد يكون هذا الأمر ضربا من الخيال وأمرا صعب المنال، في ظلّ وجود فرق عتيدة وقوية للغاية تتفوق على ليستر بأشواط كبيرة، لكن ذلك “العراب” يريد المزيد ويحلم بصنع “المعجزة العالمية الثانية”.

وإليكم بعض التفاصيل التي توحي بأن ليستر قد يكون رقما مهما في معادلة دوري الأبطال في نسخته الحالية، ففي بداية الموسم اعترف رانييري أن التفكير مجددا في الحصول على لقب الدوري الممتاز سيكون ضربا من الجنون، لا سيما وأن أغلب الفرق القوية والمعروفة مثل مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وتشيلسي قامت بانتدابات قيمة وأبرمت صفقات خيالية سواء مع المدربين أو اللاعبين، ما يجعل مهمة ليستر معقدة ومستحيلة، وفي المقابل ذكر أن هناك أفقا جديدا سيظهر في سماء ليستر من خلال المشاركة في المسابقة الأوروبية.

بدأ إذن موسم ليستر محليا وأوروبيا، وفي الوقت الذي كانت خلاله نتائج الفريق محليا متوسطة ومتواضعة أحيانا، فإن نتائجه أوروبيا إلى حد الآن كانت رائعة وموفقة إلى أبعد الحدود، فبعد ثلاث مباريات ضمن منافسات دوري المجموعات يحتل الفريق المركز الأول في مجموعته بعد ثلاثة انتصارات، ليقترب كثيرا من وضع قدم في الدور الموالي.

نتائج ليستر أوروبيا كانت، والأرقام تؤكد ذلك، أفضل بكثير من نتائج العديد من الفرق القوية والمرشحة بقوة لنيل اللقب مثل مواطنيه مانشستر سيتي وتوتنهام أو بايرن ميونيخ وريال مدريد، وبلا شك فإن فريق “الثعالب” قادر على أن يكون من أول المتأهلين إلى الدور المقبل إذا سارت الأمور مثلما يخطط رانييري.

فخطط رانييري تتمثل، مثلما حدث في بداية الموسم الماضي، في إبعاد كل لاعبيه عن الضغوطات، وكذلك إبعاد فريقه عن الأضواء، فصرّح بعد آخر مباراة أوروبية ضد نادي كوبنهاغن الدنماركي أن الفوز لا يعني التأهل، وفريقه مازال مهددا بعدم التأهل إلى الدور القادم من هذه المسابقة.

والأكثر من ذلك أن رانييري أوضح أن الهدف الوحيد أمامه هو التمتع بخوض غمار هذه البطولة دون التفكير مطلقا في الوصول إلى أهداف بعيدة، مضيفا أن الفريق سيكون سعيدا للغاية إذا كتب له أن ينهي الدور الأول في المركز الثالث الذي سيخوّل لنادي ليستر سيتي المشاركة في دوري أوروبا (أي المسابقة الأقل قيمة من دوري الأبطال).

سننتظر قليلا، والأيام القادمة ستتكفل بالكشف عن سقف طموحات الفريق الإنكليزي الذي يسير بخطى هادئة وواثقة في المسابقة الأوروبية تماما مثلما حصل في الموسم الماضي، صحيح أن زمن المعجزات يعتبره البعض ولّى وانتهى، لكن مع ليستر سيتي يجب توقع كل شيء، ومثلما حدثت المعجزة الأولى فإن لا شيء قد يمنع من حصول المعجزة الثانية ويكون ليستر على عرش أوروبا.. لننتظر.

كاتب صحافي تونسي

23