خطوة ترامب تضع الأكراد بين نار أنقرة وحضن دمشق

قرار الرئيس الأميركي سحب قواته من سوريا يفتح الطريق أمام تركيا لتنفيذ تهديداتها بشنّ هجوم جديد ضد الأكراد، الذين قد يتعاونون مع دمشق للحفاظ على مكتسباتهم.
الجمعة 2018/12/21
موقف صعب للغاية

بيروت- يضع قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب قواته من سوريا وحدات حماية الشعب الكردية في موقف صعب للغاية، بعدما كانت تحارب بدعم من واشنطن تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا.

ويفتح القرار الطريق أمام تركيا لتنفيذ تهديداتها بشنّ هجوم جديد ضد الأكراد، الذين قد لا يجدون أمامهم، وفق محللين، إلا التعاون مع دمشق للحفاظ على الحد الأدنى من مكتسباتهم.

وجاء الإعلان الأميركي بعد أيام من تصعيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتيرة تهديداته لأكراد سوريا، مؤكداً عزمه “على التخلص” منهم، بعدما خاضت قواته معارك دموية ضدهم آخرها في منطقة عفرين في شمال البلاد.

وقال الخبير في الشؤون الكردية موتلو جيفير أوغلو لوكالة فرانس برس إن الإعلان الأميركي “يبدو في هذا التوقيت بمثابة ضوء أخضر لهجوم تركي”، مرجّحاً أن “تبدأ تركيا هجومها في أي وقت إذا انسحبت القوات الأميركية بالفعل”.

وأوضح أن “من شأن ذلك أن يفتح الطريق أمام تركيا لتبدأ عملياتها ضد الأكراد وستنطلق حرباً دموية.. في منطقة واسعة ذات كثافة سكانية” تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، تحالف فصائل كردية وعربية مدعومة أميركياً.

وتعدّ علاقة واشنطن بالمقاتلين الأكراد من أسباب التوتر الرئيسية بين البلدين. وارتفعت حدّة التوتر مؤخراً بعدما أقامت الولايات المتحدة مراكز مراقبة في شمال سوريا قرب الحدود مع تركيا لمنع الاحتكاك بين القوات التركية والكردية.

وتأخذ دمشق على الأكراد تحالفهم مع واشنطن. وسبق للرئيس السوري بشار الأسد أن وضعهم أمام خيارين، المفاوضات أو الحسم العسكري. وتحت وطأة القرار الأميركي والتهديد التركي، يبدو أكراد سوريا متروكين اليوم لمواجهة مصيرهم. ومن شأن أي مواجهة عسكرية أن تكبّدهم ثمناً باهظاً.

ويقول الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد نيكولاس هيراس إنه إذا “اعتمد ترامب طريق الانسحاب من سوريا، بسرعة ومن دون التخطيط للعواقب، فإن البديل الحيوي الوحيد لقوات سوريا الديمقراطية عن قتال تنظيم الدولة الإسلامية سيكون الحكومة السورية وحلفائها وخصوصاً إيران وحزب الله”. أما قائد “وحدات حماية الشعب” الكردية بسوريا سيبان حمو فقد اعتبر أن قرار ترامب لم يكن مفاجئا في مضمونه، لوجود بعض المؤشرات بشأنه خلال الفترة الأخيرة، إلا أنه أقرّ بأنه صدر “أسرع بكثير مما توقّعه الجميع”. ورجّح وجود مصالح للإدارة الأميركية دفعتها لاتخاذ مثل هذا القرار، ولكنه استغرب تبرير القرار بهزيمة تنظيم داعش، قائلا “داعش لم ينته، وبالتالي لم تنته المعركة”. وأضاف حمو “للأسف، العالم كله، والولايات المتحدة في مقدمته، لا ينظر إلا لمصالحه، دون النظر لأي اعتبارات لمبادئ أو حقوق الإنسان”.

تركيا تسعى لاستيعاب القرار الأميركي والتأنّي في إعادة التموضع سياسيا وعسكريا وفق الشروط الجديدة

وعمّا إذا كان يعتبر أن القرار الأميركي يعدّ بمثابة ضوء أخضر لتركيا لشنّ العملية التي تهدد بها منذ أيام ضد الوحدات في مناطق شرق الفرات بسوريا، شدّد حمو على أن الوحدات تتعامل بجدية مع التهديدات التركية من البداية، وقبل صدور قرار سحب القوات الأميركية.

وقال حمو “لم يتحدث أحد صراحة عن ضوء أخضر لتركيا. ولكنها، لو استطاعت، لسيطرت على جميع المناطق الكردية بسوريا، ولقضت على الوجود الكردي في العالم بأكمله”.

وبعد ساعات من إعلان ترامب، قالت الولايات المتحدة إنها وافقت على صفقة بيع صواريخ باتريوت بقيمة 3.5 مليار دولار إلى تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي والتي أغضبت الولايات المتحدة سابقا بالتوقيع على صفقة أسلحة مع روسيا. ونقل عن مراقبين أميركيين أن ترامب رجّح مصالح بلاده مع تركيا على استمرار دعمه للميليشيات الكردية، وأن قراره جاء حسابيا حيث اعتبروا أن الموافقة على صفقة الباتريوت تعبّر عن تحوّل أميركي لافت لجهة العمل على استعادة العلاقات الحميمة بين تركيا والولايات المتحدة من جهة، كما علاقة تركيا بالحلف الأطلسي، بعد توتر شاب هذه العلاقات خلال السنوات الأخيرة.

ونقل عن أوساط أميركية مطلعة أن واشنطن بدأت تفكر في استعادة علاقاتها مع تركيا وجعلها حليفة للولايات المتحدة في المواجهة ضد إيران. ويرى أصحاب هذا الرأي أن تركيا تمثّل نقيضا حقيقا لإيران في المنطقة، خصوصا وأن موقع تركيا الجغرافي يتيح لأنقرة ممارسة دور حقيقي منافس للأجندة الإيرانية، لا سيما في العراق وسوريا.

ولفتت مصادر سياسية أوروبية إلى أن تركيا تسعى لاستيعاب القرار الأميركي والتأنّي في إعادة التموضع سياسيا وعسكريا وفق الشروط الجديدة. وقالت هذه المصادر إن العلاقة التركية الإيرانية التي كشفت التصريحات المواكبة لزيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني جانبا من تطوّرها، ستسير وفق معطى جديد يستند على تناقض، يرفع من مستوى العلاقات التركية الأميركية مقابل حالة المواجهة المفتوحة الجارية بين واشنطن وطهران.

6