خطوة في تلك الأرض مسافة بين الصور والكلمات

الأحد 2014/03/02
تخطيط: ساي سرحان

سنتان مرتا تقريبا على دخولي إلى سوريا، لفترة قصيرة بعد غياب عنها طال لثلاثة عقود ونيف، لم تكن ظروف عودتي إليها، تشبه في شيء ظروف خروجي منها في عهد الديكتاتور حافظ أسد. كان القصد من الزيارة كسر حاجز وهمي سميك أقامته السنوات بيني وبين ذلك التراب الغالي الذي ابتعد في الجغرافيا، وتعاظم حضوره في الوجدان والخيال، وفي شعري الذي كتبت ونشرت على مدار سنوات .

على إثر عودتي من تلك الرحلة القصيرة، بدى لي واضحاً أن الكلام عن البعد الجغرافي له وجاهته، لكن هذا ليس كل شيء. إقامتي في لندن كانت وما تزال قدراً شخصيا، ولها بالتأكيد أثر جليّ في شعري، بالأمس وكذا اليوم. الانتفاضة السورية قامت على بعد آلاف الكيلومترات من بيتي في لندن، إلا أن مشاهد الألم اليومي، مشاهد الموت والقتل والعذاب الإنساني ظلت تغزو بيتي، تحتل غرفة طعامي وغرفة نومي، تهجم على أيامي بفاس دامية. تواصلي اليومي مع الداخل السوري نشأ عفوياً، ولم ينقطع إلى اليوم، وعلاقتي اليومية المباشرة مع شباب وثائرين على الطغيان هناك، لم تتوقف، وهو ما جعل علاقتي بوقائع الثورة شديدة التوتر، ومرات تخلو من الموضوعية. على أن للمسافة الجغرافية الفاصلة بالنسبة إلى شاعر فاعليتها في إيجاد مساحة أكبر للتفكير في الكلمات، للتأمل ومراجعة الطاقة التخييلية، والكيان اللغوي الذي تتأسس عليه حياة القصيدة.

كان رائعا أن اجتاز الحدود بغياب موظف يختم جواز سفري، لا تركي ولا سوري، تلك كانت أمتع لحظات حياتي وأجملها؛ للمرة الاولى في حياتي أمتلك شعوراً كهذا بالحرية، أحسست بهذا وأنا أخطو خطواتي الأولى نحو السلك الشائك في الأرض الحرام، والذي سيرفعه لي أحد شباب المقاومة الوطنية المسلحة، وفي يده الكلاشينكوف مردداً أهلا بك في وطنك الحر. يا للسعادة الغريبة. كنت قلقا ولم أشعر بالخوف، وكيف لمن كان في مثل حالي أن يخاف، بينما هو يخلخل بخطواته تلك ثلاثين عاماً من المنفى. وعندما عبرنا، وبت في تلك الأرض، واجتزنا، ليلا، مسافة خطر أكيدة بسبب وجود أكمة وحاجز وقناص، كانت سعادتي مذهلة، لأنني شعرت أنني، على الرغم من أنف طاغية وريث طاغية، أعود إلى بلادي وأصل إلى مدن سورية محررة. كانت سعادة غريبة، وكنت مطمئنا، برفقة ثوار مسلحين، شعرت أنهم إخوتي، وكانوا يريدون أن يحموني. أحدهم قال لي نحن فخورين بأن يكون بيننا شاعر يمشي معنا في هذه الليلة المقمرة”. كان ذلك في شهر رمضان، وقد وصلنا إلى مدخل مدينة بنش وقت السحور، بعدما عبرنا عشرات القرى والبلدات الصغيرة، مرورا بحواجز للجيش الحر.

دخولي إلى سوريا بالطريقة التي دخلت فيها، لم يكن، ولن يكون في نظر السلطات الحاكمة في دمشق شرعيا، وكان هذا، ربما، أمتع ما في التجربة وأكثره تأثيرا في نفسي.

الصور والكلمات

في ما بعد، سئلتُ لمَ لمْ تكتب عن هذه التجربة؟ كل ما خطر في بالي، لحظتها، إنني، بإزاء تجربة كهذه، لا أصلح لكتابة شيء آخر غير الشعر.

ولعلي لن أكتب إلا الشعر، أشعر أنني لا أستطيع أن أعبر عن تجاربي المؤثرة سردا ونثراً. منذ مذبحة صبرا وشاتيلا التي كنت أحد شهودها، ولي بين ضحاياها أهل وأصدقاء، وكنت من بين أوائل من دخل الى مسرح الجريمة صبيحة تكشّفها رفقة صديقتي المصورة الفوتوغرافية الإيطالية باولا كروتشياني يوم 16 ايلول 1982، يومها اكتشفت أنني غير قادر على تدوين مشاهد الألم إلا شعراً. لا أستطيع أن أتوقف عند التفاصيل والسرديات النثرية للألم، لذلك، لم أكتب عن صبرا وشاتيلا غير نص سردي قصير جدا، جاءت لغته على درجة من الكثافة أقرب من كثافة الشعر. ليس هذا تعالياً، ولكنه ميل فني ونفسي معا، ربما كان دافعهما عندي رغبة قوية في حفظ الذات بعيدا عن بشاعة الصور.

ها هو شاعر أنفق دهرا يتحفنا بدعوات الخروج على السلطة والمألوف، طالبا الحرية للشعراء والمبدعين، وعندما نهض شعبه طالبا الحرية أنكرها عليه

وإلى الآن، تلازمني تفاصيل صبرا وشاتيلا صورا بلا كلمات، ولا يغريني أن أحيل وجودها في حياتي إلى صفحات مكتوبة. وهكذا ظهرت صور من المذبحة في ملامح من شعري، من دون مباشرة تذكر، فهناك الحواف الجارحة والأطراف الحادة في الكلمات، لكن الصور الأصل ظلت تنطق عن نفسها.

رسالة الشاعر

بهجة كبيرة تحققت لي في رحلتي السورية، عرفت أشياء رائعة عن شعبي، البسطاء قادرون على مفاجأتك كم هم عميقون، يفاجئونك بقدرتهم المذهلة على نكران الذات. وجدت أن بعضهم باع أغراض بيته لشراء بندقية. استقبلوني في تفتناز ضيفا عزيزا، وصب لي رجل قهوة، همس لي مرافقي: “إنه من آل غزال، الأمن والشبيجة أعدموا من عائلته 56 شخصا، منهم ابنه ووالده قتلا رميا بالرصاص”. كان هذا عقاب السلطة للعائلة على تسترها على الثوار الهاربين ومساعدتها لهم. عندما قتلوا الكل رميا بالرصاص على حائط مبنى تملكه الأسرة، انتبهوا إلى أن والده الشيخ الثمانيني مازال هناك في الطابق العلوي حياً، فصعدوا إليه وقتلوه ثم أحرقوا جثته.

سألت الرجل بأي أعصاب تعيش، فأجابني بأن الله كريم، وسكتَ عندما سالته عما إذا كان يفكر في الانتقام.

كانت واحدة من الرسائل التي أردت إيصالها من وراء رحلتي إلى الشمال السوري هي أولا المساندة المعنوية للجيش الحر الذي كان ما يزال حديث النشأة، ونشوؤه مازال مثار جدل في أوساط المثقفين السوريين والعرب المنادين بسلمية الثورة، والمعارضين لخيار العسكرة، من دون أن يفكروا مليا بحقيقة أن النظام هو من دفع إلى هذا الخيار، عندما لم يبق أمام النشطاء السلميين سبيلا آخر سوى حمل السلاح دفاعا عن حلمهم. ولكن كيف لشاعر آمن بسلمية الثورة أن يساند فكرة حمل السلاح؟ كان هذا سؤالا استنكاريا، ووجهت به من قبل أولئك الذين ظلوا على رومانسيتهم بإزاء الوقائع الجارية.

يعرف الجمع أن الانتفاضة السورية ظلت سلمية لستة شهور ربما، وبقيت مؤمنا بسلميتها ومدافعا عن هذا الخيار الصعب، في مواجهة نظام واجه، منذ اليوم الأول، الصدور العارية بالرصاص، والحنجرة بالسكين، ووردة الناشط غياث مطر برصاص الغدر.

وقد عبرت أغنية سميح شقير، منذ الأيام الأولى للثورة، عن هذا المعنى. رأى العالم كله ذلك، وكان شاهدا على المذبحة التي افتتحها حاكم بشعبه المسالم المطالب بالحرية. وعلى رغم إمعان النظام بسفك دم الشعب بشتى أنواع الأسلحة، ظلت الثورة على سلميتها. ولم تتشكل أولى المجموعات المسلحة إلا دفاعا عن الجسد الجماعي للسوريين في الأحياء ومداخل البلدات الثائرة، وحماية للاعتصامات والتظاهرات السلمية. لكن شدة البطش الذي أذهل العالم، استنفرت العصب المقاوم في الناس، فصار لزاما على كل شاب أن يحمي بيته وإخوته وعائلته، ويحمي الناس من الموت، والبقية معروفة، فقد بدأت محاصرة المدن بالدبابات وراجمات الصواريخ، وراح سلاح الطيران الوطني يقصف الشعب. لم يكن لدى النظام لغة أخرى سوى لغة القتل.

أن أكون شاعرا فهذا يعني أنني حريص على أرواح الناس، وأنني محب للحياة الإنسانية، ومؤمن بحق المرء في الدفاع عن جسده وروحه، كنت وما أزال ضد الجريمة، ولكن مع كل فعل لردع المجرم.

وبالتالي، لم يعد هناك مجال آخر بإزاء الجرائم المنظمة المتواصلة بحق شعبي إلا أن أساند الدعوة إلى التسلح، والتسليم بحق المجتمع في الدفاع عن نفسه، وعن الحياة، وهذه أبسط الحقوق الإنسانية.

وعندي أن الثورة، ورغم مرور سنتين ونصف السنة على حملها السلاح، ماتزال تملك وجها سلمياً، يظهر في كل يوم جمعة في شوارع المدن والبلدات والقرى السورية حيث يحتشد النشطاء السلميون ويطلقون هتافاتهم وأهازيجهم منادين بالحرية والكرامة ومعرضين أنفسهم للموت قصفاً واغتيالا.

شيء عن النخبة

من حق السوريين، كما هو من حق كل شعب، أن يختاروا المعبرين عنهم، وأن يقول كلمتهم بشأن مستقبلهم. يجب أن يكف المثقفون عن اعتبار أنفسهم معلمين، واعتبار الشعب تلميذا. من حق الشعوب أن تختار، وأن تدافع عن اختياراتها، وإذا كان السوريون سيختارون ممثليهم ممن لا نعتبرهم، نحن، أهلا لتمثيلهم، فهذا حقهم الذي ليس من حقنا أن نصادره، سيما وأن نخباً انقلابية لم تكن ممثلة للناس، حكمت سوريا ودولا عربية أخرى، نخب جاءت بالدبابات، وفرضت نفسها على الناس لنصف قرن، لكن هذه التجربة المريرة والمهينة معا آن لها أن تنتهي. اليوم نسمع من نخب استعلائية أن الشعوب لو تركت لخياراتها لاختارت الأسوأ، لأنها شعوب لم تنضج، وهذه النظرة لا يكن وصفها إلا بالفاشيّة.

ولعل التذرع بأن المتشددين الإسلاميين سيحكمون سوريا هو ضرب من التخريف، فالمجتمع السوري متنوع بالمعنى الإثني والديني والمناطقي، وسوريا لا يمكن لها أن تُحكم إلا عبر حكومات ائتلاف وطني، وأيا تكن ظروف الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية المنشودة، لن تستطيع فئة واحدة أن تحكم سوريا، لكن يمكن لائتلاف متعدد ومتنوع أن يقود المرحلة الانتقالية.

بات واضحا أن مثقفي سوريا، في غالبيتهم العظمى، مع التحول الديمقراطي وضد النظام القائم. بعضهم متحفظ على تشكيلات وتوجهات في الثورة، على أن هذا التحفظ شيء، وعدم الإيمان بحق الشعب في الاختيار الديمقراطي شيء آخر. ما أراه أن هذه الثورة ماضية إلى إنجاز أهدافها، وسيبدأ لاحقا الصراع السلمي على شكل الحكم، حينها سأواصل موقفي النقدي، من موقع المعارض والمناهض لكل أنواع التطرف السياسي والديني والاجتماعي. ولا يغيب عن البال أن التطرف هو وليد العنف الأعمى للنظام الموجه ضد الناس، بزواله تزول أسباب التطرف ويعود الاعتدال لاحتضان التجربة السورية. قناعتي أن مزاج الشعب السوري معتدل تاريخياً. هو شعب عريق اشتغل بالتجارة، وهذه لا تستقيم مع التطرف، ولا تزدهر إلا في ظل علاقات اجتماعية تقوم على الانفتاح.

في أزمنة المأساة الصور أبلغ من الكلمات ما من كلمات يمكنها أن تضاهي الصور

الشاعر والدكتاتور

خلال رحلتي السورية، ووجهت بأسئلة حول موقف المثقفين من الثورة، بعضها بدا نقديا واستنكاريا.

نعم هناك مثقفون وكتاب وأدباء سوريون خذلوا شعبهم، وأضاعوا، للأسف، فرصتهم مع المستقبل، لأن التجربة المأساوية السورية مؤسِّسة، وسيبنى عليها في المستقبل، والمواقف السلبية التي أُخذت من قبل البعض وأعلنت في فترة الثورة، كلها مدونة، ولا يستطيع أن يتنصل أصحابها منها. هناك كتاب لتاريخ الثورة، بعض صفحاته مضيئة، وفيها شخصيات حفرت أسماءها بجدارة، ويعتبرها السوريون علامات فخر، وملهمة فكريا وإبداعيا. وفي المقابل، هناك أسماء دونت نفسها في صفحة معتمة، وتركت علامات استفهام على نفسها، يؤسفني أن أقول إن سلوكها السلبي عكس نفسه سلباً على ماضيها.

التمايزات في المواقف منتظرة ومتوقعة، لكن الوقوف في وجه طموحات شعب انتفض طلبا للحرية والكرامة، شيء مستنكر بالمطلق. فها هو شاعر ظل يتحفنا بالخروج على المألوف وعلى السلطة، وقد أعطى لنفسه الحق بالمغامرة والتجريب والتفكير، لكن ما أن طالب الشعب السوري لنفسه جماعيا بشيء مما طالب به الشاعر لنفسه من الحرية، حتى أنكره عليه، متذرعا بحجج واهية ومخزية، منها أن المتظاهر لا ينبغي له أن يخرج من جامع، وعليه أن يخرج من مكتبة أو قاعة أوبرا ، وهو في هذا يخاتل ويتستر على تاريخ من القمع السلطوي الفريد من نوعه عرفته جمهورية الصمت، حيث جعلت أدوات القمع من المستحيل على البشر أن يجتمعوا في الفضاء المديني العام إلا أيام الجمعة، حتى لو كان هذا الجَّمع سيهتف للدكتاتور، الذي اعتبره الشاعر رئيسا منتخباً.

والواقع أن انتفاضة السوريين ثقافية المنزع، منذ يومها الأول، لكونها نهضت على مقولتين فكريتين أساسا، هما: (الحرية) و(الكرامة) التصقتا بها، وعبرتا عن جوهر ثقافي. والآن، بعد ثلاث سنوات من عمليات الإبادة والتدمير اليومي الممنهج لكل مقومات الحياة السورية، الاقتصادية والعمرانية والعسكرية والصحية والاجتماعية والثقافية، وغيرها، لم يركع السوريون.

ولا يبدو أنهم سيركعون.

الشيء الآخر أن المعارضة السورية تكاد تضم في قياداتها وفي صفوفها غالبية كبيرة من المثقفين، أكاديميين وكتاباً وحقوقيين، ونشطاء مجتمع مدني. هل هناك ثورة عبرت عن نفسها بالشعر والأغنيات والفنون البصرية والسينمائية والمسرحية مثل الثورة السورية؟ إنها ثورة بوجه ولسان ثقافيين، ضربها السفاح، وظلّ يضربها إلى أن استخرج منها الشيطان المتطرف. جريمة التطرف، إذن، هي جريمة النظام، وبزوال النظام المتطرف وجرائمه ينتهي التطرف، لكن، هذا يحتاج إلى إرادة من الشعب السوري ونخبته وتضحيات جمة.

رسائل الصور

أخيرا، لابد أن أعترف أن تلك الرحلة، التي حملتني إلى سوريا، حملتني على التفكير بأن ما من كتابة يمكنها أن تفي حدثا تراجيديا تاريخيا عارما حقه، ما من تعبير عن الوقائع اليومية أبلغ من الصور، لا الكلمات العاطفية ولا الوثائق ولا التقارير الصحفية على أهميتها يمكن أن تضاهي الصور اليومية للملحمة السورية الكبرى. لذلك لجأ السوريون إلى استنطاق مآسيهم بالصور، صار السوريون صغيرهم وكبيرهم مصوراً، السلمي منهم والمسلح، الغني والفقير، المقيم والزائر، صور، صور، صور.. صور كل يوم بالمئات، توثق لكل لحظة من لحظات الحادث العظيم. صور لبشر وعمران وآلات موت، صور للوقائع الوحشية والوقائع الإنسانية، صور ملأت الصحف والشاشات وغطت على ما عداها من صور وأخبار وتقارير تتناقلها وكالات الأنباء في العالم. اكتشف السوريون عجز اللغة، فأنطقوا الصور، اكتشفوا عجز السياسيين المتكلمين، فأنطقوا الضحايا، جعلوا من صور أبنائهم وبناتهم وإخوتهم واخواتهم وأمهاتهم وآبائهم الصرعى في المدن والبلدات الكبيرة والصغيرة، خطباً ومقالات بليغة راحت تنطق بما عجزت الكلمات عن قوله للعالم، عما يجري هنا في هذا البلد المحترق على خارطة العالم. الصور لا تُكَذِّب ولا تُكذَّب، لذلك كانت الصور وما تزال الرسائل الأقوى، والأشد تأثيراً عن الوقائع المذهلة لما يجري في سوريا.

11