خطورة أن لا تحسم أميركا في سوريا…

السبت 2013/08/31

هل ستكون ضربة من باب رفع العتب… أم أن الرئيس باراك أوباما إتخذ على غير عادته، قرارا حاسما بالانتهاء من النظام السوري الذي فقد أصلا الركائز الأساسية التي قام عليها؟

هل آن أوان الانتهاء من النظام السوري، أم المطلوب مدّه بشريان حياة يضمن استكمال المهمة التي قام من أجلها أصلا. تتمثّل هذه المهمّة في حماية إسرائيل والمتاجرة بالفلسطينيين وقضيتهم، والعمل على تمزيق لبنان وضرب الأسس التي قام عليها الوطن الصغير بالتفاهم التام مع النظام القائم في إيران.

كلّ شيء سيعتمد في النهاية على ما إذا كان الهدف من الإبقاء على النظام السوري سنتين ونصف سنة خدم الغرض المطلوب إسرائيليا. والهدف الإسرائيلي الواضح يتمثّل في تفتيت سوريا ومعها المنطقة، وذلك استكمالا للزلزال الذي بدأ في العراق نتيجة الاجتياح الأميركي للبلد، وهو اجتياح خرج منه منتصر واحد إسمه إيران.

كلّما طالت الحرب الأهلية في سوريا، زادت فرص الإنتهاء من سوريا التي عرفناها. وزادت أيضا احتمالات انتقال العدوى السورية إلى المنطقة كلّها. هل هناك أفضل من النظام السوري المتمسك بالسلطة، على الرغم من رفض الشعب له، لتنفيذ هذه المهمّة؟

ليس مطلوبا تحميل اسرائيل مسؤولية ما يجري في سوريا. كلّ ما يمكن قوله أن إسرائيل استفادت مقدار ما أمكن من النظام السوري، وبذلت في السنتين الماضيتين كل ما تستطيع من أجل منع الإدارة الأميركية والحلف الأطلسي من توجيه ضربة له، على غرار الضربة التي استهدفت العراق في عام 2003 أو نظام العقيد معمّر القذافي خلال سنة 2011.

كان مطلوبا استئساد النظام السوري، الذي حافظ على الهدوء على جبهة الجولان منذ العام 1974، أطول مدّة ممكنة كي ينصرف إلى قتل مزيد من السوريين وضرب أسس الكيان الوطني بما يضمن أن لا تقوم له قيامة يوما.

هناك خوف من أن لا تؤدي الضربة الأميركية أو الأطلسية المهمة المطلوبة. وهذا يعني بطبيعة الحال متابعة النظام للحرب التي يشنّها على شعبه بدعم إيراني وروسي، مستخدما كلّ الأسلحة المتوفرة، بما فيها السلاح الكيمياوي!

يفترض في الإدارة الأميركية، التي لا تؤمن بخوض حروب طويلة تؤدي إلى تورّطها في إرسال جنود إلى سوريا أو غير سوريا، الاقتناع بأنّ لا فائدة تذكر من ضربة لا تؤدي إلى إزاحة النظام عن صدور السوريين.

يخشى من أن تصبّ أي ضربة غير حاسمة في مصلحة نظام لا يريد الاعتراف بأنّه انتهى وأنّ كل ما يستطيع بشّار الأسد التفاوض بشأنه، هو العثور على بلد يقبل باستضافته مع بعض المحيطين به. إنها الصفقة الوحيدة التي في استطاعة الرئيس السوري التفاوض في شأنها…

أكثر من ذلك، إنّ المماطلة في الحسم تعني زيادة حدّة الانقسامات الطائفية والمذهبية وتشجيع كلّ المنظمات الإرهابية، مثل «القاعدة» على التغلغل في المناطق السورية على حساب القوى التي تؤمن بدولة مدنية ديمقراطية. يضاف إلى ذلك كلّه أن سوريا المفتتة لا تشكّل تهديدا للسوريين الذين صاروا لاجئين بمئات الآلاف ليس في دول الجوار فحسب، بل تشكّل أيضا تهديدا للمنطقة كلّها، خصوصا للبنان والأردن اللذين يشعران- يوميا- بأنّ أمنهما الوطني بات مهددا.

ما الذي تريده الولايات المتحدة؟ هل تبحث عن المحافظة على نظام ساقط بكلّ المقاييس لم يؤد سوى خدمات لإسرائيل، أم تقتنع أخيرا بأن هناك أملا ما في إعادة الحياة إلى سوريا الموحّدة؟

لا شكّ أن الدخول العربي على خط الانتهاء من النظام السوري، يمكن أن يلعب دورا حاسما في إقناع واشنطن بأنّ الموضوع السوري لا يتحمّل المزاح، ولا يتحمّل تكرار تجربة جيمي كارتر في إيران أو بيل كلينتون في السودان وأفغانستان. لقد لعب العرب في الفترة الأخيرة دورا مهمّا في إقناع روسيا بأنّ لا مصلحة لها بدعم نظام منته يشكّل خطرا على شعبه والمنطقة كلّها. فالزيارة التي قام بها الأمير بندر بن سلطان مستشار الأمن القومي ومدير الاستخبارات السعودية لموسكو، قد تساهم في إقناع الرئيس بوتين بأن سقوط النظام السوري ليس نهاية العالم. على العكس من ذلك، ستتحسن العلاقات بين موسكو والعواصم العربية المهمّة متى طويت صفحة نظام لم تكن لديه سياسة عربية غير سياسة الابتزاز والتهديد.

ما يمكن قوله، أن الخيار الأميركي واضح، خصوصا بعدما أدى العرب الغيورون على مصلحتهم الوطنية المطلوب منهم. فقد ذهبت إحدى الدول الخليجية حتى إلى قبول استضافة بشّار مع أفراد عائلته والحلقة المحيطة به على الرغم من كلّ الجرائم المرتكبة في حق الشعب السوري.

هل تحسم إدارة أوباما أمرها أخيرا وتقرّر أن الاستقرار في الشرق الأوسط، يتطلب أوّل ما يتطلب الانتهاء من النظام السوري؟ إذا لم تفعل ذلك، ستساهم مرّة أخرى في تبديد أي أمل في استعادة الشرق الأوسط بعض الاستقرار. ستكون سوريا امتحانا للإدارة الأميركية. ستكون دليلا على أنها قادرة على التخلّص من العقدة الإسرائيلية. الأهمّ من ذلك كله، أن الامتحان السوري سيكشف مدى جدّية الإدارة الأميركية في المحافظة على أمن دولة مثل لبنان تتعرّض لضغوط شديدة بشكل يومي بسبب الحريق السوري من جهة، وبسبب إصرار إيران والنظام السوري على زجّ اللبنانيين في لعبة انفلات الغرائز المذهبية من جهة أخرى. هل أخطر من هذه اللعبة بالنسبة إلى بلد صغير مثل لبنان كلّ مكوناته أقليات، بمن في ذلك الميليشيا المذهبية المسلّحة التي تعتبر نفسها أقوى من الدولة اللبنانية؟

إعلامي لبناني
8