خطورة الأحزاب الطائفية على وحدة العراق

الخميس 2014/03/20

لم تفلح كل الأحزاب والكتل السياسية الموجودة على الساحة العراقية في قيادة سفينة العراق خلال عشر سنوات مضطربة بغية إيصالها إلى الضفة الآمنة. مع إيماننا شِبه المطلق أن كل الأحزاب السياسية العراقية التي تصل إلى سُدّة السلطة كانت تختطف هذه السفينة وتقودها ضد أهواء العراقيين وتطلعاتهم، بل إنها تحوّلهم غالبا إلى رهائن أو أسرى يتحكّم بمصائرهم ثُلة من اللصوص وقطّاع الطرق الذين لا همّ لهم سوى نهب ثروات البلاد وتهريبها.

ورغم أن الأحزاب والأنظمة السياسية التي حكمت البلاد سابقا كانت تسرق أيضا وتبدّد أموال العراقيين إلا أنها كانت تبني في الوقت ذاته، وأن سرقاتها كانت طبيعية ولم تخرج عن الحدود المألوفة والمتعارف عليها. أما سرقات الأحزاب الدينية التي جاءت بها الدبابات الأنغلو- الأميركية المحتلة فقد كسرت كل الأرقام المسجلة عالميا، بحيث لا يجد هذا المسؤول الحزبي الديني حرجا في أن يسرق بضعة مليارات دفعة واحدة ويصبح في عِداد “المليارديرية” في رمشة عين، ولهذا استحق العراق أن يحتل التسلسل الثاني أو الثالث في قائمة البلدان الأكثر فسادا وفشلا في العالم، ومع ذلك يدّعي القائمون على السلطة أنهم ينتمون إلى أحزاب دينية إسلامية، غير أنّ الإسلام منهم براء.

لم تكتفِ الأحزاب الدينية الموجودة على رأس السلطة في العراق بخطف سفينة البلاد بما فيها ومَنْ فيها، وإنما أخذت تحرّض على العنف، وتمارسه يوميا، وتبثّ الفرقة الطائفية التي لم يعرفها العراقيون من قبل لأنهم كانوا متعايشين على مرّ العصور، ومتآلفين على مرّ الأزمنة ولم يضعوا الانتماء المذهبي في حسبانهم فلا غرابة أن تجد قبيلة عراقية معروفة نصفها سُني ونصفها الآخر شيعي، بل إن الأسرة الواحدة قد تجد فيها رجل الدين المؤمن، كما تجد فيها العلماني الذي يضع الدين خارج اهتمامته الوجودية قاطبة.

لقد مزّق السيد نوري المالكي العراقَ قوميا ومذهبيا وطائفيا خلال الدورتين السابقتين لأن هدفه الأول والأخير هو تمزيق العراق وإضعافه، فلا غروَ أن يُعد العراق من الدول الفاشلة التي لا يستطيع القائمون عليها الحفاظ على دماء أبنائه البسطاء الذين يذهبون ضحية العنف المنهجي المنظّم الذي تقوده زمرة المالكي التي لا تنتمي بشكل من الأشكال إلى العراق، ولو كانوا عراقيين أصلاء حقا لحفظوا دماء أبنائهم في كل المحافظات العراقية وعلى رأسها مدن الفرات الأوسط والجنوب العراقي الذين يتساقطون بالعشرات يوميا. ورغم كل هذه الخسائر الجسيمة التي يتكبدها العراقيون في كل مكان من أرض العراق بحجة الإرهاب والفلتان الأمني، الذي ينبغي أن تكون الدولة هي المسؤول الأول والأخير عنه، نرى أن هذه الأحزاب الدينية لا يهمها شيء سوى اللعب على إثارة الغرائز الطائفية، والإمعان في تجهيل السواد الأعظم من هذا الشعب، وجرّهم إلى العوالم الغيبية الساذجة من خلال تأمين بعض المظاهر والطقوس الكربلائية المتمثلة بتطبير الرؤوس بالسكاكين ولطم الصدور بالأيدي والسلاسل الحديدية المصنوعة في إيران خصيصا لهذا الغرض، ناهيك عن تعطيل حركة الحياة في البلد قرابة شهرين من كل عام بسبب العطل والمناسبات الدينية الشيعية على وجه التحديد.

لا بد للعراقيين أن يثوروا بالطرق السلمية ويُسقطوا هذه الأحزاب الطائفية التي تغامر بمصائر الناس، وتسرق أموالهم العامة، وتسطو على مناصب الدولة وتجعل من وظائفها حكرا على أهلهم وعناصرهم الحزبية الذين يمعنون في الإساءة اليومية للمواطن العراقي الشريف، صاحب المصلحة الحقيقية في هذا البلد الذي تدمّره هذه الأحزاب الدينية الطائفية بشكل ممنهج وتصنع منه ذيلا تابعا لإيران، وترهن مصير تشكيل حكومته بملالي طهران من ذوي التطلعات المذهبية التي لا تتجاوز حدود الطائفة التي ينتمون إليها مُكرّسين ظاهرة الولاء الأعمى للطائفة والتعصب الأهوج للدين والقومية.

لا يقتصر النَفَس الطائفي، والمراهنة على تجهيل الشعب، وتعميق الهوّة بين مذاهبه على حزب الدعوة الإسلامية حسب، بل يمتد إلى المجلس الأعلى الإسلامي الأكثر التصاقا بإيران والذي دعا في سنواته الأولى بعد احتلال العراق إلى “فدرلة” وسط وجنوب العراق وانتظام محافظاته إلى أقاليم تجزّئ المُجزأ، وتعمل على تقطيع أوصال هذا البلد الموحد منذ سبعة آلاف سنة. أما حزب الفضيلة فلا فضيلة له سوى النبش في الموروث الطائفي، وإيقاظ الفتن النائمة بين طيات الأربعة عشر قرنا الماضية. فهذا الحزب الذي انبثق في غفلة من الزمن لا يُحسن سوى المشي بالمقلوب، والعيش في الماضي البعيد، واستدعاء القوانين البالية التي تصادر حرية المرأة وتجعل منها جارية للرجال المتخلفين الذين يعيشون في القرون المظلمة ولا يخجلون من أنفسهم وإنسانيتهم حينما يوافقون على تزويج “المرأة” في سن التاسعة وهي لم تغادر طفولتها بعد.

لا بد للعراقيين أن يطالبوا بسنِّ قانون للأحزاب العراقية يحرّم الطائفية، ويمنع الانتماء على أساس مذهبي أو طائفي، والشرط الوحيد لإجازة هذه الأحزاب هو أن يتقدّم اسم العراق على أي مسمّى ديني أو قومي أو مذهبي لأنه أكبر من كل التسميات التي ما انفكت تعزف على الوتر الطائفي البغيض ناسية أو متناسية أن الحلّ الأمثل هو إنشاء أحزاب وطنية عراقية تشترط إلغاء الطائفة من عقد الانتماء إليها، وعند ذلك سوف تنحسر الأحزاب الطائفية المقيتة وينخذل فيروسها الذي لا ينشط إلاّ في الأقبية المعتمة والدهاليز الحالكة الظلام.


كاتب عراقي

8