خطوط الرياضيات وخطوط الرواية

الخميس 2016/06/02

هل يمكن تطبيق بعض معطيات العلم المتعددة في تشكيل رؤية فنية للكتابة الإبداعية وعلى وجه الخصوص.. الرواية؟

وهل يمكن “تجاوز” النظريات القديمة التي تابعت مسار الرواية وتطوراتها والتي شكّلت قراءات متعاقبة في النظر إلى الرواية كجنس أدبي تقدّم كثيرا على بقية الأجناس وحظي باهتمامات ومطالعات وتنظيرات لا حصر لها.

ومثلما يفتح العلم الحياة بطريقته ويخلق منابع ثرية وجديدة تفيض على الأجناس الأدبية وتصبّ في نهرها الواسع لا سيما الرواية المعرفية التي استنجدت بكل ما هو متاح من العلوم الإنسانية الكثيرة، فإن الرياضيات علم معقد بلا شك وهو بعيد كل البُعد عن المزاج الأدبي الخالص، لكنه بالنتيجة ثقافة قديمة اهتمت بدراسة الهندسة والفراغ والفضاء باستخدام البراهين في منطقها الصارم الذي يفضي إلى نتائج واقعية لا يختلف عليها أحد.

وفي محاولة لتعقب الأثر الرياضي ومحاولة الاستفادة منه تطبيقيا على العمل الروائي يمكن – على سبيل المثال- النظر إلى الرياضيات الإقليدية التي درسناها مبكرا والتي تقول إن الخطين المستقيمين لا يلتقيان وهذه بديهية لم يجادل فيها أحد. وفي الفن الروائي تتوفر خطوط مشابهة لها حينما نستحدث المهيمنات والأنساق بتفريعاتها الأسطورية والخيالية والاجتماعية والواقعية والجغرافية والثقافية، كخطوط متوازية تسير مع بعضها، غير أن الرياضيات الحديثة بتجلياتها الرفيعة وربما الخيالية، ترى أن الخطين المستقيمين وإن لم يلتقيا فإنهما يعودان إلى نقطة الشروع الأولى، باعتبار أن الأرض كروية ولا يمكن لخط مستقيم أن يبقى ممتدا على استقامته إلى ما لا نهاية، فكروية الأرض تجعله منحنيا في نهاية الأمر ويعود إلى حيث انطلاقته.

أعتقد أن خطوط الرواية بمهيمناتها وأنساقها المتوازية يمكن أن تلتقي أيضا مهما سارت متوازية فلا بد من نقطة لقاء، وهنا يلعب الخيال الروائي دوره في استقطاب خطوط الرواية مهما تنافرت وابتعدت وسارت بمسار واحد، وأن انحناء الخطوط الروائية هو توفير طاقة خيالية لمدّ الأثر الروائي بشخصياته وموضوعاته واستقطاباته لمجموع الأحداث والرؤى، وبالتالي يمكن أن يحدث روائيا ما يحدث لفكرة الخطين المستقيمين رياضيا على وفق المنطق الرياضي الحديث المُطالِب بإقصاء النظرية الإقليدية القديمة.

هذه الرؤية الأولى أراها توفر الفرصة الثمينة لقيادة النص الروائي بخطيه الخيالي والواقعي اللذين يسيران متباعدين إلى حد كبير حين الشروع في العمل الروائي مثل خطّي الرياضيات، وهو ابتكار له ما يسوغه على صعيد البناء الفني، ولكن إنْ كان خطا الرياضيات مجرّدَيْن من دون حمولات أخرى ويسيران في فراغ، فإنّ خطّي الرواية سيكونان محملَيْن بالأنساق والمهيمنات بحمولاتهما التاريخية والجغرافية والاجتماعية والأسطورية والخيالية والدينية، يسيران إلى هدف سردي لتثوير الفكرة الروائية ومزجها بكل هذه المعطيات وتوحيدها في رؤيا مشتركة واحدة تفضي إلى تشكيل شكلها وبنائها من دون محددات مسبقة أو نظرية سابقة تفرض رؤيتها الشخصية على هذا النص أو ذاك.

إذن الواقع والخيال هما خطان مستقيمان. ومهيمنات العمل الروائي وأنساقه هما خطان في العمل الروائي وكل هذه الخطوط ستنطلق متباعدة عن احتمالية لقائها في الأثر الروائي ومنجزه الإبداعي، كما لو هي موشورات طيفية لها نقطة بداية من دون تحديد نقطة نهايتها، لكن العمل الروائي أحدب مثل الأرض وكرويتها لا يستغني عن امتزاج خطوطه الواقعية والمفترضة، أنساقه ومهيمناته، ليلتوي على نفسه في براعة التقاط تلك الأطياف وتشكيلها من جديد في دورق شكلي جديد يحافظ على مسارات الرياضيات المفترضة في خطوط التوازي التي خرجت عن نظريتها الإقليدية القديمة ودخلت في حيز الحداثة الرياضية لكن من رؤياها الأدبية الفاعلة. أعتقد أني فعلت هذا بروايتي “عذراء سنجار”.

كاتب من العراق

14