خطيئة استدعاء الدولة إلى إنتاج الأفلام

الأربعاء 2014/10/22

منذ سنوات والبعض ينادي ويطالب بعودة الدولة في مصر إلى إنتاج الأفلام، كما كانت تفعل في ستينات القرن الماضي خلال عهد "مؤسسة السينما المصرية".

وهؤلاء لا ينظرون سوى إلى نصف الكأس الممتلئ، أي إلى ما بين 17 و25 فيلما جيدا أنتجتها مؤسسة السينما من بين 157 فيلما، كانت معظمها أفلاما تجارية تنافس السائد.

بالإضافة إلى أن الكثير من الأفلام التي أنتجتها “الدولة الناصرية”، كانت أفلاما “دعائية” قصد منها الترويج لسياسة النظام السياسي في تلك الفترة، مثل ما عرف بسياسة التحول الاشتراكي، ثم حرب اليمن والتأميمات وتقديم صورة سلبية سوداء تماما للأوضاع في البلاد قبل عام 1952.

وكان سيف الرقيب يتدخل لمنع إنتاج أي فيلم قد يتعارض مع السياسة الرسمية، غالبا من المنبع، أي من مرحلة السيناريو، قبل التصوير.

ويتجاهل المطالبون بعودة “القطاع العام” في السينما، أن الظروف السياسية والاجتماعية في مصر قد تغيرت تماما، فالدولة التي كانت تتصدى لقيادة عملية التصنيع والإنتاج في شتى المجالات وتضمن تشغيل خريجي الجامعات.

تغيرت الآن وأصبحت تعتمد بالدرجة الأساسية على القطاع الخاص، ورأس المال الخاص، والاستثمارات الأجنبية، ولم يعد من ضمن أولوياتها استخدام السينما بشكل مباشر في الدعاية، فقد أصبح لديها الكثير من الأذرع الإعلامية الأخرى من قنوات أرضية وفضائية تدخل المنازل مباشرة، وتصنع الرأي العام.

أضف إلى ذلك أن الدولة الآن، لم تعد لديها سياسة ثقافية واضحة، تتجه نحو وجهة فكرية وأهداف قومية محددة، بل أصبحت مشغولة بخوض الكثير من المعارك لإنقاذ البلاد من إرث طويل من الفساد والإهمال والتقصير والفوضى والعشوائية التي تفشت في جميع المجالات.

ولم يعد مضمونا أنه بمجرد أن تتولى الدولة إنتاج الأفلام، سنرى أفلاما جادة وفنية وجيدة، فمن الذي سيتحكم في تحديد الفيلم الجيد والفيلم غير الجيد؟ ومن الذي سيقرر أن ننتج هذا الفيلم أو ذاك؟

أليسوا هم أنفسهم أعضاء “جمعية أصحاب المصالح” الذين يتبادلون المنافع منذ عشرات السنين، ويسيطرون على النشاط السينمائي بنفوذهم وعلاقاتهم؟ ويكفي أن نتأمل مثلا ما يسمى بـ”جهاز الإنتاج الإعلامي”، لكي ندرك فشل منظومة “القطاع العام” سواء في الإدارة أو مستوى الإنتاج.

إن المطالبة بتدخل الدولة في الإنتاج، ليس معناه في الوقت الحالي سوى تشديد قبضة “الرقيب”، وجعله رقيبا ومنتجا في ذات الوقت، وهو أمر مرفوض بحكم ثقافة العصر التي تختلف تماما عن ثقافة الستينات.


ناقد سينمائي من مصر

16