خطيئة تفريط مصر بالعدو المناسب

ليست الحرب على الإرهاب مشروعا استراتيجيا يبني دولة، ويفترض أن تكون هذه الحرب في حجمها الحقيقي، وأن يوضع لها سقف زمني تقريبي للقضاء على هذا الخطر.
الخميس 2019/11/28
العدو الاستراتيجي المثالي لمصر

ليس أحمق ممن يختلق عدوّا متخيلا، إلا من يفرّط في عدو حقيقي ملائم تماما. وتسعى الدول والأندية الرياضية والمتنافسون في المجالات المختلفة إلى الحفاظ على عدو مقنع جدير بالتحدي، ويليق بمستوى التنافس؛ لضمان استفزاز قدراتهم على التسابق والإبداع الإيجابي، والمدمر أحيانا. أما الطمأنينة فهي أولى مراحل اليقين، ومقدمة للتآكل الذاتي والتراجع، في حين يتفوق الآخرون.

قبيل سقوط الاتحاد السوفيتي، أعدت الولايات المتحدة عدوا بديلا. جهزته في كهوف أفغانستان وأقبية وكالة المخابرات المركزية، ثم دسّته في خاصرة الاتحاد المتداعي، لكي يسهم في التعجيل بتفكيك أوصال الكيان الأحمر المرتبط بعقود من جولات الحرب الباردة.

ومن أقصى الأرض، ابتعثت أميركا العدو الأخضر، وبالغت في شيطنته، وضخمت قدراته، وأطلقته بعد الاطمئنان إلى إعداد كاميراتها التلفزيونية، لاصطياد تحركاته وإذاعة تصريحات رجاله، لإخافة شعبها وإيهامه بتربص من وصفتهم بالكارهين، أعداء الحضارة؛ من أجل التأييد الشعبي لخطط السيطرة ونهب الثروات، تحت غطاء أخلاقي مصطنع اسمه الحرب على الإرهاب. ولم يتردد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في وصف غزوه للعراق عام 2003 بأنه حرب صليبية جديدة.

الزعم بقبول الأمر الواقع، في ظل اختلال ميزان القوى العالمية لغير صالح العرب، فهو قصور في النظر، رؤية وقائعية وليست واقعية

ولا تكفّ إسرائيل عن إطلاق صفة الإرهابي على من يستهدف جنودها القتلة، ولو بإلقاء حجر رمزي. ولا تستطيع مواصلة دورها الوظيفي القتالي، في خدمة رعاتها الرسميين، ما لم يكن حولها أعداء يسمون “دول الطوق”، واستئناس «الأعداء» بالتوصل إلى سلام تام، ينسف الفكرة الصهيونية.

ولكن وجودنا كأعداء لم يؤجل قيام مؤسسات إسرائيل بمهامها تجاه مواطنين مرتزقة مجلوبين من الغرب والشرق، ولا يجمع بينهم إلا الولاء للعقيدة الصهيونية، وينالون حقوقهم في الصحة والتعليم والتنافس على الحكم، وتبادل السلطة، والترقي في وظائف تؤهلهم لها كفاءاتهم، مع يقظة مؤسسات رقابية تجرّ رؤساء سابقين للوزراء إلى التحقيق والسجن أحيانا.

كان لمصر، حتى 1973، عدو صريح لا يُخفي عداءه إلى الآن، ويُقابل عدوانه الدامي، في قضايا حدودية تزهق فيها أرواح مصريين، بتعقل وصبر غير جميلين. ثم اتجهت البوصلة إلى أشقاء في الغرب والشرق، منذ أعلن أنور السادات عداءه لمعمر القذافي.

في السنوات الأخيرة تواجه مصر تحديا إرهابيا حقيقيا، ولكنه لن ينتهي في ظل استبداد لن يجد مسوّغا، إذا هُزم الإرهاب نهائيا. كلاهما يغذّي الآخر. ليست الحرب على الإرهاب مشروعا استراتيجيا يبني دولة، ويفترض أن تكون هذه الحرب في حجمها الحقيقي، وأن يوضع لها سقف زمني تقريبي للقضاء على هذا الخطر، وألا يتم رهن الحريات والحقوق الشخصية والآمال في العدالة وتحسن الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية بزوال الإرهاب. ومن المعلوم أن الحروب المستمرة لم تعلّق الديمقراطية في إسرائيل.

سيقول قائل إن مصر في ظل وجود عدو واضح فقدت سيناء في حرب 1967. تلك حقيقة جزئية يراد بإطلاقها إعلان الاستسلام، والتسليم بتفوق ليس حتمية تاريخية، ومنح العدو مفاتيح كل شيء، من التعليم إلى الصناعة والزراعة. وفي جولات الحروب الطويلة يحدث أن تخسر في معركة، مثلما احتل الجيش النازي باريس، ثم دكّ لندن، قبل النهوض الأميركي المشروط بنيل حظ من كعكة ما بعد الحرب.

اقترنت مرحلة اعتماد إسرائيل عدوا لمصر باستقلال القرارين السياسي والاقتصادي، وبلغ معدل النمو الاقتصادي من 1960 إلى 1965، وفقا لتقرير البنك الدولي، 6.6 بالمئة. ومات جمال عبدالناصر ونسبة التضخم حوالي 5 بالمئة، وارتفعت النسبة عام 1975 إلى أكثر من 20 بالمئة. وكانت ديون مصر المدنية والعسكرية عام 1970 أربعة مليارات دولار، وأغلبها كان لتمويل مشروعات إنتاجية. وبعد التبعية بلغت عام 1981 ثلاثين مليار دولار.

وفي أكتوبر 1973، وعلى الرغم من بدء المعركة بأداء قتالي يشبه المعجزة العسكرية، جاء الأداء السياسي هزيلا يفرّط في العدو؛ ففي ذروة المعركة، أرسل السادات إلى هنري كيسنجر يطمئنه بأن مصر لا تعتزم تعميق مدى الاشتباك. وسيحصل كيسنجر على لقب «صديقي» من السادات الذي قهقه، في ضحكة اقترنت بصفقة صفيقة تكفي دليلا على الجهل، قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد، 17 سبتمبر 1978، لقول مناحيم بيغن إن أجداده اليهود بنوا الأهرامات. ويعرف الدارس المبتدئ للآثار وعلم المصريات أن الأهرامات بنيت قبل بضعة قرون من قدوم النبي إبراهيم إلى مصر، في زيارة لم يذكرها إلا العهد القديم.

لا تكفّ إسرائيل عن إطلاق صفة الإرهابي على من يستهدف جنودها القتلة، ولو بإلقاء حجر رمزي

وبالتفريط في العدو تدفقت مساعدات مليارية مشروطة، وتزامنت معها عودة الهيروين وغيره من المواد المخدرة الخطرة إلى مصر. وتخلت الدولة عن أدوارها. ويكفي تقييم هذا الحصاد المرّ بإلقاء نظرة عامة الآن على بؤس التعليم في المدارس المصرية، وصدأ آلات مصانع تأسست في ظل الحروب مع العدو، وتخريب الزراعة في بلد اخترع الزراعة ويستغني عن خبرات عدوّ نشأ عام 1948.

ففي فبراير 1994 نشرت صحيفة الأهرام وقائع اجتماع دوري في القاهرة بين ممثلي مصر وإسرائيل، وأسفر الاتفاق عن تدريب ألف خريج مصري في إسرائيل، وإيفاد 480 خريجا و120 قيادة زراعية و900 مزارع سنويا، للتعلم من الخبرات الإسرائيلية. واستمرت خطيئة تدمير الزراعة رغم تحذير بحوث مركز المعلومات والتوثيق بالمركز القومي للبحوث عام 1994 من خطورة مستلزمات الإنتاج الزراعي الواردة من إسرائيل على النبات وصحة الإنسان.

العدو الاستراتيجي المثالي لمصر، كان أوضح تمثيلات الظاهرة الصهيونية المضادة لمنطق التاريخ. هو النسخة العصرية من ممالك وحاملات طائرات وجيوش عميلة تفككت عقب انتهاء وظيفتها المؤقتة. أما الزعم بقبول الأمر الواقع، في ظل اختلال ميزان القوى العالمية لغير صالح العرب، فهو قصور في النظر، رؤية وقائعية وليست واقعية.

من نتائج التفريط في العدو الإسرائيلي توجيه إرهابي يشغل رئاسة الوزراء هو بنيامين نتنياهو الشكر إلى عبدالفتاح السيسي، لإرساله مروحيتين للمشاركة في إطفاء الحرائق في القدس ومستعمرات صهيونية في مايو 2019. ولم تتوجه المروحيتان إلى لبنان لإطفاء الحرائق في أكتوبر 2019. مفارقة لا يمكن فهمها إلا بحرص الإدارة المصرية على حدائق ومزارع الفلسطينيين التي استولى عليها العدو، والوعي بأهمية الحفاظ عليها، حتى تتحرر البلاد، ويعود إليها أهلها، كاملة غير منقوصة ولو شجرة زيتون.

8