خطيئة حرب العراق يدفع ثمنها الشعب

الثلاثاء 2014/04/29
موت ودموع وألم.. هذا حال عراق ما بعد غزو أميركا بحجة احلال السلام

بروكسل- فتحت الرابطة الدولية للمحامين الديمقراطيين ملف مقاضاة المتسبّبين في حرب العراق، ضمن مؤتمرها الثامن عشر في بروكسل، مطالبة المجتمع الدولي وكل الجهات الأممية المسؤولة بمحاكمة جورج بوش الابن وطوني بلير وحلفائهما بتهمة ارتكاب جرائم حرب في العراق.

عقدت محكمة بروكسل بالاشتراك مع الهيئة الدولية للمحامين الديمقراطيين، يومي 16 و17 أبريل 2014، مؤتمرا دوليا حول “المساءلة والعدالة في العراق”. وعدّ هذا المؤتمر أقوى وأحدث لقاء منظّم على المستوى الدولي، يحاول البحث عن تحقيق العدالة وتطبيقها على المسؤولين عن كارثة حرب العراق، بمشاركة أبرز المحامين الدوليين والسياسيين والحقوقيين في العالم.

وتعمل “لجنة العراق” على اتخاذ خطوات دولية ملموسة نحو مقاضاة رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، والرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، إضافة إلى جميع المتورّطين في هذه القضية من إدارتيهما بتهم جرائم حرب ارتكبت في العراق، وحوّلت هذا البلد من أحد أكثر البلدان تقدّما في المنطقة، إلى أحد أخطر مناطق العالم وبؤرة للعنف والإرهاب.

صدّرت الهيئة الدولية للمحامين الديمقراطيين، بيانها الخاص بهذا الاجتماع، الأول من نوعه، مشيرة إلى أن “استعادة احترام القانون الدولي، وجعله قابلا للتنفيذ، أمر مشروط بضمان الحقوق القانونية لضحايا الاعتداءات غير المشروعة، وأن يكون العراق على رأس جدول أعمال المحامين ومنظمات حقوق الأنسان”.

ومما جاء في البيان: “لم يكن العدوان الذي شنته قوّات التحالف الدوليّة ضد العراق، بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، غير أخلاقي فحسب، بل غير قانوني أيضا، ويتناسب مع تعريف المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ للجريمة ضد السلام. يجب أن تكون لحرب كتلك الحرب عواقب قانونية ضد المعتدين وحقوق للضحايا وفقا للقانون الدولي.

حرب الشيعة والسنة تشتد
بغداد- حين سيطر مسلحون سنة على بلدة بهرز في أواخر الشهر الماضي مكثوا فيها بضع ساعات. وفي صباح اليوم التالي وبعد أن رحلوا عن البلدة وصلت قوات أمن عراقية وعشرات من مقاتلي ميليشيا شيعية وتحركوا من منزل إلى منزل بحثا عن أي مسلحين سنة أو متعاطفين معهم في هذه المنطقة الريفية التي يكسوها النخيل وبساتين البرتقال.

ويروي شيوخ قبائل شيعة وشاهدا عيان وسياسيون حكايات مروعة عما حدث بعد ذلك.

قال رجل “كان هناك رجال يرتدون ملابس مدنية جاؤوا على متن دراجات نارية يصرخون: علي معاك” في إشارة إلى الإمام علي بن أبي طالب.

وأضاف “بدأ الناس بالهرب من منازلهم تاركين وراءهم كبار السن والشباب وكذلك من رفض الهرب.

قامت الميليشيات بعد ذلك باقتحام المنازل. اصطحبوا الشباب بالقوة وقاموا بإعدامهم فورا.” وحولت هذه الأحداث البلدة إلى خط مواجهة في حرب طائفية تتجمع نذرها في أفق العراق.

في بهرز وفي قرى وبلدات أخرى في محيط العاصمة تدور معركة ضارية بين الدولة الإسلامية في العراق والشام تلك الجماعة السنية المتطرفة التي تقود تمردا دمويا حول بغداد منذ أكثر من عام- وبين قوات الأمن العراقية التي استعانت في الشهور الأخيرة بميليشيات شيعية للقيام بمهمة قوات الطليعة.

وقبيل الانتخابات العامة في 30 أبريل ينزلق العراق بوتيرة سريعة مرة أخرى إلى تلك الأحداث المروعة التي شهدها في الماضي القريب. ويخشى مسؤولو الأمن وشيوخ القبائل والسياسيون أن تعيث الدولة الإسلامية في العراق والشام فسادا في العاصمة كما سبق وأن فعلت الجماعة التي انبثقت عنها في الأعوام التي أعقبت الغزو الأمريكي.

حينها كان متطرفون سنة ينفذون تفجيرات متعددة بسيارات ملغومة في بغداد بصورة يومية تقريبا وكانوا يقتلون الشيعة بلا مانع ولا رادع.

والاعتدال سمة نادرة حتى أن بعض الساسة السنة ينكرون وجود تنظيم الدولة الإسلامية ويلقون باللائمة في كل الاضطرابات على المالكي حتى وإن كان هذا يعني استمرار انتشار الجماعة.

حتى يومنا هذا، لم يتم تقديم أي مسؤول للعدالة بتهمة جرائم الحرب، والجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية وشن الحروب العدوانية، يجب أن نغير تلك المعادلة، يجب أن يتحمل كل من كان مسؤولا عن غزو العراق المساءلة نظرا إلى الدمار الذي حل بالبنية التحتية للبلد، وهيكله الاقتصادي والاجتماعي، وماضيه التاريخي، والصحة والتعليم. يجب أن يعمل الخبراء القانونيون المنطقيون باتجاه هدف يرمي إلى تعويض الشعب العراقي الذي تضرر بشدة جراء الحرب وتداعياتها، وينبغي تقديم من قام بارتكاب جرائم الحرب للعدالة.

وأدت سياسة مكافحة التمرد والعمليات العسكرية التي قامت بها قوات التحالف، بما فيها الهجمات الضخمة على مدن مثل الفلوجة، إلى زيادة كبيرة في أعداد الوفيات والنزوح الجماعي، مما يؤثر على ملايين من السكان، حيث تم قتل وتشويه مئات الآلاف من العراقيين، ودمرت عائلات بأكملها، وتم تهجيرها وإجبارها على اللجوء إلى دول عديدة في العالم. كما تم تدمير نظام التعليم في العراق وتفكك مجتمعه.

وخلقت العملية السياسية الطائفية التي نظمتها قوى الاحتلال دولة فاشلة تتميز بانهيار كامل لجميع الخدمات العامة، والانتهاكات المنتظمة لجميع جوانب حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الحياة. وقد أثارت الولايات المتحدة متعمدة المشاكل بين مكونات المجتمع العراقي، من أجل تفريق وحكم البلاد.

وقد دمرت بوحشية ثقافة قديمة عميقة الجذور، تم تركها في حالة من الفوضى. “ومن هنا، قد تمثل المحاكم الشعبية، واعتقالات لمواطنين دول ساهموا بالقوة والاحتلال، وغيرها من أشكال النشاط، ضمير المجتمع الدولي، ويجب أن تكون ضرورية في غياب تنفيذ القانون الدولي”.


شهادات حية


بنت “لجنة العراق” دعوتها على شهادات جنود أميركيين شاركوا في الحرب الأميركية في العراق، ومن بينهم الجندي روس كابوتي، الذي تحدّث أمام “لجنة العراق”، قائلا: “بعد أيام قليلة من بداية العملية، ساد جوّ من الفوضى والتمرد على القانون بين عناصر وحدتي. رأيت البعض منهم يفتشون في جثث مقاتلي المقاومة العراقية، فيما قام البعض الآخر بتشويهها”.

وأضاف كابوتي، وهو من المارينز الذين شاركوا في حصار مدينة الفلوجة في نوفمبر 2004، : “لم أكن أتلقى أيّة معلومات، وما كان يصلني كان معلومات خاطئة، عن أهداف مهمّتنا، وعن هوية عدونا، أو عن الخطر الذي كنا نشكّله على المدنيين. لقد أكّد لي رؤسائي أن جميع المدنيين قد غادروا الفلوجة وأنّ الوحيدين الذين بقوا في المدينة هم من المقاتلين. وهي معلومة خاطئة. فقد قدّر الصليب الأحمر عدد المدنيين المحاصرين بالفلوجة آنذاك بـ50,000. وهو ما كان جميعنا يجهله”.

وتحدّث كابوتي عن تكتيك يطلق عليه اسم “استطلاع عن طريق النيران”، والذي يقوم على إطلاق النار في مكان محدّد، في مبنى على سبيل المثال، لمعرفة ما إذا كان فيه المقاتلون، وهذا التكتيك، وفق كابوتي، يتمّ بطريقة عشوائية، دون الاهتمام بما إذا كان هناك مدنيون في المبنى أو المنازل، حيث تطلق النيران، أم لا”. وأضاف الشاهد: “لقد شاهدت مدرّعات تقوم بتدمير أحياء بأكملها دون التثبت من أنها مأهولة أو ما إذا كان هناك أحد داخل المنازل المدمّرة”.


تجريم حرب العراق


يطمح المجتمعون في المؤتمر، الذي انعقد بجامعة فيرجي في بروكسل، إلى حشد الرأي العام العالمي لرفع دعوى قضائية ضخمة تدين أعضاء الحكومتين الأميركية والبريطانية –السابقتين والحاليتين- عن جرائم حرب العراق التي توصف بأنها جرائم ضد الإنسانية، وجرائم ضد السلام. ويقول عضو في اللجنة التنفيذية لمحكمة بروكسل: “استنتاجات مثل هذه القضية سوف تؤدي إلى دفع تعويضات هامّة لدولة العراق وشعبها”.

وأضاف، “المحكمة هي شبكة دولية من المثقفين والفنانين والنشطاء الذين يدينون منطق الحرب الدائمة الذي أرسته الحكومة الأميركية والذي يستهدف حاليا الشرق الأوسط. نحن هنا لإدانة الخطيئة الأصلية: الغزو والاحتلال غير الشرعيين للعراق، ولبحث طرق تقديم الجناة للمحكمة”.

تجريم حرب العراق دعا إليها كل المشاركون في المؤتمر على غرار السياسي الماليزي ماهتير محمّد الذي قال: “يجب علينا تجريم الحرب لأننا نعتبر قتل شخص واحد من قبل شخص آخر جريمة قتل، ونحن على استعداد لمعاقبته حتى لو تطلّب الأمر إعدامه، فماذا لو تجاوز عدد القتلى المليون شخص”.

وانتقد محمّد التناقض في التعامل مع مجرمي حرب العراق، الذين تم تكريمهم، حسب ما جاء في مداخلته، التي اعتبر فيها أنه حان الوقت لمحاسبة المجرمين على الحرب التي مرّت يوم 20 مارس الماضي إحدى عشرة سنة عليها. وقد وصفها رئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا، صباح المختار “بأنه عمل وحشي سيذكر دائما على أنه أحد أسوأ الجرائم في التاريخ”.

ويعتبر المختار أن احتلال العراق الذي سمي “تحريرا” هو “جريمة ضد السلام” وفق مبادئ نورمبرغ ونتيجة لذلك فلازالت كافة حقوق الإنسان لكافة العراقيين تنتهك طوال الوقت.

بالإضافة إلى كارثة أبو غريب والاغتصاب الجماعي وقتل المراهقة عبير الجنابي وعائلتها في اليوسفية، وناهيك عن عمليات القتل المستهدف للأكاديميين والإعلاميين والأقليات العرقية أو الدينية، فإن إرث هذه الحرب هو أكثر من 4 ملايين لاجئ عراقي وأكثر من 3 ملايين يتيم وأكثر من مليون أرملة، قال المختار خلال كلمته في المؤتمر.

وليست هناك تقارير تحصي بكل دقة عدد ضحايا الصراع في العراق، فمعظمها تشير إلى أن عدد القتلى يتجاوز مئة ألف، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن هذا العدد تجاوز المليون. ووفق تقرير لمركز جنيف للعدالة، فإن الرقم الصحيح لضحايا الحرب، لا يمكن إحصاؤه. فقد أدّى الغزو والاحتلال إلى مقتل ما لا يقلّ عن مليون عراقي، يُضاف إليهم أكثر من مليون ونصف المليون كانوا قد لاقوا حتفهم كنتيجة للحصار الاقتصادي ما بين عامي 1990 و2003.

أثارت الولايات المتحدة متعمدة المشاكل بين مكونات المجتمع العراقي من أجل تفريق البلاد وحكمها

وقد اعتبرت نيلوفر باغوات، نائبة رئيس جمعية المحامين الهندي، الحصار الذي فرض على العراق قبل الغزو الأميركي مخالفا للمواثيق الدولية. وقالت في مداخلتها خلال مؤتمر "لجنة العراق" إنه انتهاك جسيم للحق في الحياة الذي تضمنه المادة السادسة من الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966.

وكانت منظمة “إيراك بادي كاونت” البريطانية المعنية بجمع إحصائيات ضحايا أعمال العنف في العراق قالت إنه يقتل كل عام بين أربعة وخمسة آلاف شخص، وهو ما يعادل تقريبا عدد الجنود الأجانب الذي قتلوا في العراق منذ 2003 والذي يبلغ أربعة آلاف و804 جنود.

وهذا العدد يظلّ يرتفع حتى بعد الانسحاب الأميركي سنة 2011. بل إن التقارير تنذر بسوء شهرا بعد شهر، حيث يتغذّى العنف والإرهاب من الجدل السياسي والأجندات الطائفية حاصدا أرواح العشرات كل يوم.

إن هذه الحرب المتعمدّة والمنظّمة نجم عنها مآسٍ إنسانية لا يمكن تجاهلها.. وقد أدّى استخدام الأسلحة والمواد المحرّمة دوليا، فضلا عن التدمير المتعمّد للبيئة، إلى تصاعد الإصابة بالسرطان وظهور حالات غير مسبوقة من الولادات المشوهّة.

هذه الجرائم، تستوجب، وفق ما صرّح به ديرك أدرياينسينس –وهو ناشط حقوقي وأحد المشاركين الرئيسين في مؤتمر “المساءلة والعدالة في العراق”- لمراسل منظمة “تروث أوت” الأميركية: “تضيّق الخناق على مجرمي الحرب. وإذا لم نفعل ذلك، فإنّ المجرمين سيفلتون من العقاب. ومبادرتنا يجب أن تتخطّى حدود العملية القانونية البحتة، لتكون محاسبة سياسية شاملة، وإلّا فسيبقى الرأي العام الدولي على جهل تام بما يحدث”.

مسؤولية هذه الجرائم، حمّلها المحامون في “لجنة العراق” لكل من الرئيس الأميركي الأسبق، جورج دبيلو بوش، وأعضاء حكومته خاصة كونداليزا رايس ودونالد رامسيفيلد وكولن باول الذي اشتهر بدفاعه عن الحرب على العراق عام 2003 ثم نقل عنه في سنة 2012 تصريحه بأن يعترف أن الولايات المتحدة ارتكبت “أخطاء جدية” استخباراتية وتكتيكية في غزو العراق.


إبادة جماعية

روس كابوتي: مرت سنوات عديدة، لكن لا تزال هناك أكاذيب بشأن ما قمنا به في العراق


دعما لمسار “المساءلة والعدالة في العراق”، دعت “الحملة الشعبية الوطنية لإدراج تفجيرات العراق على لائحة الإبادة الجماعية (حشد)”، “لجنة العراق” خلال اجتماعها في بروكسل، إلى إدانة التفجيرات الارهابية وأعمال العنف في العراق واعتبارها جرائم “إبادة جماعية”، فيما طالبت الأمم المتحدة بإدراج التفجيرات الارهابية التي يشهدها العراق منذ العام 2003 ضمن لائحة جرائم “الإبادة الجماعية”.

وتعتبر “حشد” أن “العراق يتعرض منذ 11 عاما لأبشع أنواع الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية فاق أغلب جرائم الإبادة التي ارتكبت خلال العقود الماضية، مما يحتم على المجتمع الدولي والمؤتمر الخروج بتوصيات تدين أعمال العنف الوحشية في العراق واعتبارها جرائم إبادة جماعية، حسب ما نصت عليه اتفاقية العام 1948".

بعد كل هذه الجرائم والانتهاكات الخطيرة، أعلنت الولايات المتحدة، في نهاية عام 2011، عن انسحاب قواتها النظامية من العراق، دون أن تكلّف نفسها تقديم اعتذارٍ للشعب العراقي ودون أن يبادر المجتمع الدولي بمساءلتها عن تداعيات هذه الحرب. وهذا الأمر يستوجب وفق “لجنة العراق” التي اجتمعت في بروكسل محاكمة المجرمين.

7