خطيئة وحقيقة

هؤلاء الكتاب يكتبون من أجل المال ولا شيء غيره بعد أن باعوا ضمائرهم في بازارات العرض والطلب. إن هؤلاء الكتّاب أذلوا الكتابة قطعا.. فهم القاتلون بالحبر.
الثلاثاء 2018/09/25
الكتابة أعظم اختراعات الإنسان

"ليس هذا الكتاب الوحيد بل لي اثنا عشر كتابا غيره"، كان رد زميل لي في العمل عن استفساري حول كتابه. ولماذا لا تكتب من جديد؟ سألته.

أجاب “لا أعرف! أعيش مرحلة كسل كتابي منذ مدة”، ثم أضاف “لا أريد إقامة مناحات اللاجدوى، رغم أن اللاجدوى تملأ حياتنا”، ثم همهم للحظة وقال “سمّي ذلك موقفا إن شئتِ”.

لكن كيف يكون التوقف عن الكتابة موقفا بعد أن كانت الكتابة في حدّ ذاتها الموقف الرسمي الأول من كل بذاءات العالم؟

أردت أن أقول له ما قال إرنست هيمنغواي إن “التوقف عن الكتابة خطيئة لا تغتفر”، أو إن “الكتابة عن التوقف عن الكتابة أفضل من عدم الكتابة”.

ولكن لأن الكتابة فن والفن لا يحتمل النظريات وجدتني أقول له “حاول أن تجد إلهامك المفقود”، رغم أني أعرف أن هذا الرجل قد يكون اختار الصمت الموجع على البوح القاتل.

لكن لماذا نكتب أصلا؟

لا شك أن الكتابة أعظم اختراعات الإنسان، وهي فعل عبقري يمارسه الجميع فإذا كنت تقرأ هذا المقال فأنت تستطيع الكتابة، لكن السؤال هل تكتب بشكل جيّد؟ وهل تكتب ما يصل إلى الناس؟

الحقيقة أن من يتقنون الكتابة قليلون، ويختلف الكتاب باختلاف قناعاتهم وأساليبهم.

قد يكون البعض منهم موهوبين حقا، مارسوا فعل الكتابة بدافع الحب أولا، لكن سرعان ما حوّلوا عشقهم إلى التجارة بالكتابة، فباتوا يكتبون لأجل مصالحهم ومصالح أصدقائه أو تملّقا لأشخاص أو حتى لأنظمة، وفي النهاية بات هؤلاء الكتاب يكتبون من أجل المال ولا شيء غيره بعد أن باعوا ضمائرهم في بازارات العرض والطلب. إن هؤلاء الكتّاب أذلوا الكتابة قطعا.. فهم القاتلون بالحبر.

أمّا البعض الآخر من الكتّاب فينتظرون الإلهام حتى يبدعوا، شعارهم في ذلك: إمّا أن تكتب شيئا يستحق القراءة وإمّا ألّا تفعل، إذ الكتابة تجتاح كياناتهم كما إعصار يعيد بعثرة فوضاهم الداخلية، فتفيض مشاعرهم، ثمّ في لحظة يصرخون “أحتاج قلما.. اصمتوا رجاء”. تقرأ كتابتهم فتحسّ أن صوت الحقيقة يتكلم في رأسك ملتفا بإحكام حول أفكارك ومشاعرك. هؤلاء هم المبدعون.

لم يستطع أحد فك طلاسم الإبداع إلى يومنا هذا، حتى أن الكاتب الأكثر شهرة غابريال غارسيا ماركيز، ذاك الذي قرأ 1000 كتاب قبل أن يغوص في فعل الكتابة، قال “لقد اعتقدت يوما -أو توهمت أنني اعتقدتُ- بأنني سأكتشف فجأة سرّ الإبداع.. اللحظة الحاسمة التي تنبثق فيها الفكرة. ولكن حدوث ذلك راح يبدو لي أصعب فأصعب”.

برأيي إن الإبداع هبة.. فأن تكون مبدعا أو لا تكون، تلك هي القضية.

24