خطيب بدلة وكتاب جديد ساخر

الأحد 2013/11/24
مشهد ساخر من مسرح خيال الظل

من النادر أن يستطيع كتاب صادر باللغة العربية، أن يجمع بين الضحك والقيمة معاً، أو أن يحقق معادلة المتعة دون التنازل عن المضمون، وخاصة حين تكون أغلب ثيمات الكتاب متعلقة بالسياسية.

يمكن وصفه إذن بالأدب السياسي، وكذلك بالأدب الساخر، ولأنها ميزة صارت بمثابة ماركة مسجلة للكاتب خطيب بدلة، والذي يشرف حالياً على تحرير مجلة كش ملك الساخرة، فإن الأمر لا يبدو غريباً، فقد أتقن بدلة إنجاز هذه الخلطة السحرية ليصنع الضحك عبر الكتابة الناقدة- السياسية، قد نتذكر ونحن نقرأ عزيز نسين، أو طرف جحا ربما، إذ استطاع الكتاب، تقديم وصفة سياسية كوميدية ناقدة ساخرة، لم ينجُ منها حتى الأدب والرياضة ومجالات الحياة الأخرى.

ففي كتاب متخم بالضحك، يُقدم كل من خطيب بدلة وإياد جميل محفوظ، خبراتهما المشتركة، في قص واقعي، يستند بعضه على الآخر، عبر مائة وثلاثين صفحة تقريباً من القطع الوسط، في كتاب يحمل عنوان ( المستطرف الليلكي – ديوان الطرائف المعاصرة) والصادر عن دار نون للنشر للسنة الحالية 2013، وقد سبق لبدلة، أن أصدر في سنة 2010 كتاب ( المستطرف الأزرق – ديوان الطرائف المعاصرة) وكذلك (المستطرف الأخضر – ديوان الطرائف المعاصرة) في سنة 2011 ، كما لو أن الكتاب الثالث، هو تتمة لمشروع بدلة، ولكن بالاشتراك مع محفوظ.

مع أن تجربة الكتابة المشتركة ليست جديدة في الكتابة العربية، إلا أن الجديد في هذا الكتاب، هو نوعية المادة المكتوبة، وهي المادة الساخرة، وكذلك ثمة تميز في الأسلوب، حيث يعتمد الكاتبان على ما يشبه تقنية تدفق الوعي. إذ أن فكرة الكتاب أساساً قائمة من مقترح خطر لمحفوظ وهو يقرأ الكتابين الأوليين ( المستطرفان الأزرق والأخضر) وفكر في كتابة مماثلة، وعرض الموضوع على خطيب الذي يشرح هذا في المقدمة، ليجيب صديقه وشريكه في الكتاب بأن ( كتابة الطرائف ليست حكراً عليّ، أو على أحد غيري…) وحين يقول إياد ( ما رأك أن نتشارك في تأليف الكتاب.. وأن يدخل مؤلفنا ضمن سلسلتك ( ديوان الطرائف المعاصرة)؟ يجبه خطيب: ( يالها من فكرة.. بل إنها لتجربة جديرة بالاهتمام)، وهذا ما حصل في نشأة الكتاب، وبعض النصوص، حيث يبني خطيب نصه على نص إياد، أو العكس، كما لو أن نص أحدهما، يفجر النص اللاحق، فهل يمكننا أن نتحدث يوماً، كما في المسرح، عن مصطلح الكتابة التفاعلية؟

عبر تقنية تدفق الوعي في السرد، وبسبب التلقائية الملحوظة في السرد، يمكن للقارئ أن يخرج بانطباع وكأنه أمام أدب شفوي، حيث تقارب التجربة السردية للكاتبين حالة السرد الشفوي، عبر خفّة المادة، كونها لا تحمل الكثير من الهواجس الفكرية أو التأملية، وعبر استعمال مصطلحات عامية، وحكايات شائعة في أوساط محددة بين الكاتبين خاصة، وبعض البيئات التي يتم الحديث عنها عامة، إذ يتم تجميع حكايات حدثت لهما أو سمعا عنها، من الواقع السوري، ثم نَقْلُها بطرافة وخفتين لغوية وفكرية، فالكتاب مُتاح لقراءة سهلة، تثير الضحك وبعض النقد الواضح لممارسات النظام السوري، في كل مجالات الحياة، حيث النظام يسيطر على كل مناحي العيش في سوريا، وأحلى النقد، وأكثره إثارة للضحك، ذلك الذي يسخر فيه الكاتب أو الكاتبان من نفسه، أو نفسيهما، وقد أكدت كلمة الغلاف هذا المعنى إذ اقتطفت مقطعاَ من أول نصوص المجموعة والمعنون بـ: صديقي إياد، بخط بدلة، يقول فيها (إن أجمل الطرائف والسخريات، وأكثرها ظُرفاً وعدلاً، وإنصافاً، هي تلك التي يسخر فيها الكاتب من نفسه، حتى ولو على سبيل الدعابة..).

من الطرائف المميزة في الكتاب، رغم صعوبة التوقف عند مقطع دون غيره، ذلك الذي يتحدث عن فارس زرزور، الذي كان في إحدى دوائر الدولة لإنجاز معاملة إدارية، ورغم الزحام والتدافع والتدافش عند الباب، حتى كاد الرجل يسقط على الأرض، حين علم أحد الموظفين باسمه، أكرمه وأدخله إلى غرفة مرتبة ونظيفة، وطلب له فنجاناً من القهوة، الأمر الذي أسعد الروائي المرحوم، بأن شهرته الروائية وصلت إلى هذا الموظف، الذي قال له في نهاية الحكاية: بالله عليك.. شو بيقرب لك محمد خير زرزور صاحب فلافل الزرزور الشهيرة؟ الله يخليك يا أستاذ، أريد أن أشغّل ابني عنده في معمل الفلافل، بركي – بالمعيّة – بتحكي لنا معو؟ وبالنسبة لمعاملتك اعتبرها منتهية.. (الصفحة 94 من الكتاب).

ربما أجمل طُرَف المجموعة، مع التحفظ على صعوبة الانحياز للنص الأكثر إضحاكاً، كان حكاية الملوخية، والتضارب اللغوي في تفسير الكلمات والمصطلحات بين الدول العربية.

في فصل ( ترجمة فورية) هناك الكثير من الضحك، إلى الحد الذي يجعل من الملوخية طبق بامية، و في نفس الوقت الذي يكتب فيه محفوظ في فصل ( لهجات عربية) حين يطلب الدليل المصري منه ترجمة ما تقوله زوجة إياد محفوظ التي تتكلم باللكنة الحلبية، إلى درجة أن قال فيها، أي المصري: هي المدام ماببتكلمش زينا عربي ليه؟

في هذا الكتاب، يمكن توجيه نصيحة للقارئ، بأن يقرأ الكتاب في مكان مغلق، إذ لو فعل العكس، فقرأ هذه النصوص في المكتبة أو الحديقة أو الباص أو المقهى، فينفجر بالضحك بغتة، ليثير دهشة من حوله.

المستطرف الليلكي، امتداد لتجربة خطيب بدلة في الكتابة الساخرة، وتجربة جديدة لإياد جميل محفوظ في الكتابة الساخرة، تجربة مشتركة تستحق الاهتمام، وربما تحرّض على تجارب لاحقة، سواء في الكتابة المشتركة، أو في الكتابة الساخرة، لمن لم يجرّب بعد، للاستناد على ما قاله بدلة رداً على سؤال محفوظ ( هل هذا ممكن؟) قائلاً : "طبعاً ممكن".

15