خط الرغبة

الخميس 2017/02/23

ينجذب الناس اليوم إلى الروايات والمسلسلات انجذاب غيرهم من قبل إلى الحكايات الشفوية، أو إلى الروايات المتسلسلة في بعض البلدان الغربية خلال القرن التاسع عشر، والدافع دائما شغفهم بحكاية شائقة تشدّهم إليها شدّا لا يستريحون منه إلا لحظة انفراج عقدتها.

وإذا كان الإنسان العادي مولعا بتطورات الحكاية ومصائر أبطالها، فإن المتخصصين ظلوا على مرّ الأزمان يحللون البنية التي تقوم عليها الحكاية، لمعرفة أسباب نجاحها وتبيّنوا في معظمهم، من أرسطو إلى فلاديمير بروب، مرورا بهيغل ونيتشه، أنها تخضع لقواعد كونية ثابتة، تلتقي فيها كل الحكايات. ولئن أوجز أرسطو تلك البنية في بداية ووسط وخاتمة، فإن الحكاية الحديثة، أدبية كانت أم سينمائية، تحوي اثنتين وعشرين مرحلة، لا تكون الحكاية ناجحة إلا بها.

كما يؤكد الأميركي جون تروبي، ألمع “أطباء النصوص” في هوليود، حيث عالج نحو ألفي سيناريو لفائدة الشركات السينمائية الكبرى. في كتابه “تشريح السيناريو” يؤكد تروبي مثلا أن سرد حكاية -في الأدب كما في المسرح أو السينما- يشترط وجود خطِّ رغبة تدفع البطل إلى غاية معينة، يواجه لبلوغها سلسلةً من الوضعيات هي بمثابة اختبارات أخلاقية يجيب عنها إجابة حسنة أو سيئة، حتى لحظةِ الوعي الختامية، التي تمثل تحوّله الحميم، وفي أحسن الحالات تمنح الجمهور لحظةَ مكاشَفةٍ عميقة.

وفي رأيه أن الشخصية الجيدة هي تقمصٌ لمشكلة سيكولوجية وأخلاقية في الوقت ذاته، وحاجة تنعكس في رغبة محددة، وهدف نهائي. وفي رأيه أن كتابة حكاية جيدة دون خط رغبة أمر صعب، ولكنه ليس مستحيلا، كما في “الغريب” لألبير كامو، حيث البطل مورسو معدوم الرغبة، لا يفعل شيئا، وما من خصم له سوى مجتمع يبعث على الاغتراب. بل إن تيمة الرواية هي غياب الرغبة التي تعبر استعاريا عن عبثية الوضع الإنساني.

ويفسر ذلك بعلاقة الثقافة بخط الرغبة، فالثقافة الأميركية تجعل الفرد مركزَ كل شيء، فيما تنحو الثقافة الأوروبية إلى وضع الفرد داخل المجتمع. ولكن الاستثناءات موجودة، فكافكا مثلا لا تخلو رواياته من خط رغبة حتى في “المسخ” حيث تحوُّل الفرد إلى حشرة هو تعبير عن اغترابه وانسحاقه. وتشيخوف تعجز شخصياته عن الفهم والتغيير حتى النهاية، وتحصل في الغالب على غير ما تطمح له. في المقابل، نجد أن رواية “الشمس تشرق أيضا” للأميركي همنغواي خالية هي أيضا من خط الرغبة، ولعل عذره أنه كتبها في باريس، زمن فظاعات الحرب العالمية الأولى التي ألغت كل شيء، حتى الرغبة.

كاتب من تونس

15