خط رفيع يفصل بين مراقبة الأبناء وانتهاك خصوصياتهم

وسائل التكنولوجيا الحديثة تسهل مهمة الآباء الذين يرغبون في التجسس على أبنائهم، فهناك تطبيقات ذكية لهم تمكنهم من مراقبة أبنائهم بشكل غير مسبوق.
الثلاثاء 2018/10/09
تجسس مكشوف

تعد الموازنة بين دور الوالد ودور الصديق إحدى أكثر قضايا التربية تعقيدا، فكيف للآباء والأمهات تحقيق المعادلة الصعبة بين القيام بمسؤوليات تقويم سلوك أبنائهم وحمايتهم من المخاطر، وفي نفس الوقت إقامة علاقة معهم قائمة على التفاهم والحب والمصارحة.

القاهرة- يسلك بعض الآباء طريقا يرونه الأسهل في هذا الصدد، بأن يتجسسوا على أبنائهم لمعرفة أسرارهم والتجسس على محادثاتهم الهاتفية والنصية وتتبع تحركاتهم خلسة، ما يؤدي في النهاية إلى إرهاق الآباء وانهيار ثقة الأبناء في أنفسهم وفي آبائهم عند اكتشاف طرق التجسس هذه.

وسهلت وسائل التكنولوجيا الحديثة مهمة الآباء الذين يرغبون في التجسس على أبنائهم، فهناك تطبيقات ذكية مثل “تين سايف” و”فاميلي تراكر” و”أم سباي”، تتيح للآباء مراقبة أبنائهم بشكل غير مسبوق، كأن يعرفوا كل شيء عن مكالماتهم الهاتفية ومحادثاتهم النصية ومنشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويتيح بعضها للآباء أو الأمهات تتبع تحركات ابنهم وتحديد موقعه بدقة على الخارطة، كما أن تطبيق مثل “ماما بير” يرسل إشعارا للوالدين عندما ينطلق ابنهم بسرعة زائدة بالسيارة.

ويوجد خط رفيع بين المراقبة التي تهدف إلى تقويم سلوك الابن وبين التجسس على حياته بشكل يهتك خصوصياته، الأمر الذي تبلغ خطورته مداها في مرحلة المراهقة حينما تصبح الحياة الخاصة للإنسان خطا أحمر، فيستعد لأن يمنع أي إنسان من تجاوزه مهما كلفه ذلك، وتتحول مراقبة الآباء إلى تجسس ويصبح ضررها أكثر من نفعها.

وتقول نانسي دارلينغ الخبيرة في علم النفس التنموي، في كلية أوبرلين الأميركية، إن الهدف النهائي من تربية الأطفال “تنشئة أشخاص بالغين أصحاء نفسيا، ناجحين في تطوير استقلاليتهم، لكن الصعوبة تكمن في الموازنة بين تنمية شخصيتهم المستقلة وفي نفس الوقت الاطمئنان على أمنهم من العديد من المخاطر”.

ويقول سكايلر هوك أخصائي علم النفس الاجتماعي في جامعة هونغ كونغ، إن تشكيل الخصوصية يعد جزءا أساسيا في مراحل تطور الاكتفاء الذاتي للإنسان، وشدد على أن الحاجة إلى حفظ الخصوصية تعتبر حاجة إنسانية تتخطى مجرد فكرة تأمين مساحة خاصة.

وفي بداية المراهقة يتعرض دماغ وجسد الإنسان لعدة تغيرات في فترة قصيرة، بالتوازي مع تغيرات في الحياة الاجتماعية فيحتاج إلى مساحة لاكتشاف هويته والتعبير عن نفسه، ومن أبرز سمات المراهقة الاندفاع نحو التمرد على الأهل.

ويلجأ الآباء والأمهات بدافع خوفهم وحرصهم على مصلحة أبنائهم إلى التجسس على حياتهم الشخصية، ظنا منهم بأنهم بذلك قادرون على التدخل لصالح الأبناء في الوقت المناسب، لكن للأسف فإن تجسسهم على أبنائهم يأتي بنتائج عكسية.

وبالرغم من تسهيل التكنولوجيا مهمة الآباء في التجسس على أبنائهم، إلا أن المراهقين وربما الأطفال أصبحت لديهم دراية أكثر من آبائهم بحيل التكنولوجيا وبالتالي لا يصعب عليهم اكتشاف تجسس آبائهم. ومن هنا تبدأ المشكلة.

الصعوبة تكمن في الموازنة بين تنمية شخصية الابن المستقلة وبين الاطمئنان على أمنه من العديد من المخاطر

وعند اكتشاف الطفل تجسس والديه على حياته، يفقد الثقة بهما، فيصبح أكثر تحفظا في كشف تفاصيل حياته الشخصية، وتكون النتيجة عكسية، إذ يصبح الآباء في النهاية منفصلين عن أطفالهم، ويظهر الحاجز النفسي بين الطرفين ويعيق عملية التواصل.

ويقول لورانس شتاينبرغ أستاذ علم النفس في جامعة تيمبل الأميركية، إن الخسارة الناتجة عن انتهاك خصوصية الطفل لا تتوقف عند تدمير العلاقة بين الأطفال وآبائهم، بل تتعدى إلى إصابة الطفل بما يعرف بالاضطرابات الداخلية، والتي تظهر في شكل حالات قلق واكتئاب وانسحاب اجتماعي.

ويؤدي التدخل الزائد من الآباء في حياة أبنائهم في مرحلة الطفولة إلى تقويض ثقتهم في أنفسهم ومؤهلاتهم، كما أن ذلك يؤدي إلى إحجامهم عن اتخاذ قرارات مستقلة والتعلم من الأخطاء. ويواجه الطفل الذي مر بهذه التجربة مع والديه مشكلة في المراهقة التي تعتبر مرحلة اختبار القدرات، لذا نجد أن الكثير من المراهقين يتجهون إلى التدخين أو تعاطي المخدرات، مع أول فرصة عند التحرر من الرقابة اللصيقة من الوالدين، وقد تتطور أنواع أخرى من السلوك المنحرف بقدر ما تعرضوا له من كبت للحرية في فترة الطفولة.

ومن الصعب ترسيم حدود لتلك الخصوصية والاتفاق على أبعاد المساحة اللازم منحها للطفل أو المراهق، حتى مع الآباء الذين يدركون جيدا أهمية الحفاظ على خصوصية أبنائهم، كما تختلف تلك المساحة ما بين كل طبقة اجتماعية وأخرى، وتختلف من مجتمع لآخر بحسب ثقافته السائدة.

وفي أغلب المجتمعات العربية هناك ثقافة سائدة تسمح للآباء والأمهات بوصاية تامة على أبنائهم، فلا يتوقف الأمر عند التدخل في اختيار الأصدقاء والأنشطة اليومية للطفل، بل يتعدى ذلك في مرحلة المراهقة والشباب حينما يتدخل الآباء في اختيارات مجالات الدراسة بدعوى أنهم أكثر خبرة من أبنائهم وأقدر على استقراء المستقبل. ونفس المراهق الذي يذعن لرغبة والديه في التدخل في اختيار مجال الدراسة ربما يستسلم لاختيار والديه لشريك حياته، فقد تربى لديه معتقد لاواع بأن والديه هم الأقدر على تسيير حياته، ولا يكتشف فداحة المأساة إلا عندما يجد أن اختيار والديه لشريكه كان وفق معايير بعيدة عن ميوله.

وتحكي الخبيرة في علم النفس التنموي نانسيدارلينغ تجريتها كأم أيضا، في تحديد الفارق بين التجسس على الأبناء والمراقبة المشروعة، إذ كانت تطلب بنفسها من طفلها تفعيل خاصية “فايند ماي آي فون” لتتبع مكان الهاتف، قبل أن يغادر المنزل، ولا تقوم هي بتفعيلها دون علمه، وتبرر له رغبتها في أن يفعّل تلك الخاصية لأنها تريد الوصول إليه إن حدث أمر طارئ.

وبهذا يمكن للطفل أن يحترم صراحة والدته ويقدر ثقتها فيه، فيتقبل قلقها عليه واهتمامها لأمره، كما أن الطفل بفطرته يتقبل محاولات والدته معرفة تحركاته بعد انتهاء اليوم الدراسي أكثر من تقبله لاقتحام عالم هاتفه الذكي لقراءة ما لديه من رسائل نصية وغيرها. ومن أهم أسباب نفور الابن من تسلط أبويه خوفه من اهتزاز صورته أمام أصدقائه، لذا يتعامل الآباء والأمهات بحرص شديد عند إبداء مظاهر الاهتمام ونصائح المراقبة للابن أمام أصدقائه، ففي مراحل الطفولة المتأخرة والمراهقة يريد الابن الظهور بمظهر الإنسان البالغ أمام الأصدقاء، وإظهاره بعكس ذلك أمام أصدقائه من شأنه وضعه في حرج شديد.

ويؤكد خبراء النفس أن منح الثقة للابن وتشجيعه على المصارحة يمثلان خطا دفاعيا أول يوقظ ضمير الطفل عند تحرك رغبته في الإتيان بسلوك مشين، وحتى إن حدث وأخطأ فلن يجد مانعا من الاعتراف بذلك لوالديه لثقته أنهما سيعاملانه كشخص راشد لا كطفل طائش.

ويمكن للآباء والأمهات تحقيق مبدأ المراقبة الواعية، ببناء ضمير الطفل ليصبح لديه نظام رقابة ذاتية في فترة المراهقة، فضلا عن أن منحه الثقة يجعله يتعامل مع والديه كأصدقاء وليس كهيئة محكمة يخشى عقوبتها.

21