خفافيش الظلام لا تحجب الضوء في آخر النفق السعودي

الأربعاء 2014/01/22

ما هو سر هذه الهجمة الشعبية الكبيرة، التي استجاب إليها الإعلام السعودي، على الحركات المتطرفة في بلاده ومنها الإخوان المسلمون بعد تمنع طال أمده.

ما الذي يدعو قناة تلفزيونية مرتبطة بالنظام السعودي وقريبة من صنع القرار فيه تشنّ حملة صريحة على دعاة لطالما تمتعوا بصمت الحكومة السعودية عليهم، بل وأيضا تقريبها لهم أحيانا.

هل طفح الكيل بصانع القرار السعودي فسلّط إعلامه عليهم؟ أم أن الإعلاميين الوطنيين قرروا المبادرة وتحمل النتائج بأنفسهم؟

أسئلة عديدة دارت واستدارت، ولكن لم تقع في دائرة الإهمال، بل عززت من بروزها حقيقة واحدة هي أن المعركة بين المتطرفين الإسلاميين والرأي العام السعودي تعبر اليوم من نهر الصمت إلى ساحة المعركة التي يجهد كل طرف في حشد جنوده لها.

هذه المعركة رآها البعض مهمّة ونتائجها ستثبت أي طرف منهما يريده الشعب السعودي ويعلق عليه آماله؛ على الدعاة الذين يرمون أبناءهم في أتون معارك العبث الطائفية، أم على الإرادة الوطنية الباحثة عن التنمية وبناء دولة عدالة، تجنب البلاد نار الفوضى التي اكتوت بها ليبيا وسوريا والعراق ومصر وغيرها.

تعامل المتطرفون مع الرأي العام على أنه دهماء يقاد حسب مشيئة الدعاة ممن يلقبون أنفسهم بشيوخ، وهم يعلمون أن الشيخ هو كبير قومه لا أهوجهم. احتكروا النصوص وكرّسوا قوتهم عبرها لسلب تأويلها وجعلها حكرا عليهم فيعسفونها حسب إرادتهم متى ما شاءوا وأنى لاحت لهم غنيمة.

وحين اتسع نطاق الوعي العام، تسابق بعضهم ليمنح نفسه وسطية مزعومة، فيبتعد عن تأويل المؤسسة الدينية التقليدية إلى تأويل يتسق مع عطش الرأي العام للانفتاح، دون أن يقدم الداعية على تأويل يصطدم مع “المسلمات” التي تخلق له صداعا، فهو لا يمنح رأيا في قيادة المرأة للسيارة بصراحة وواقعية، ولا في قضايا حقوقية بسيطة، كونه يستخرج شرعية دعوته من نفس البئر.

استفاد الدعاة من عدم تقدم المؤسسة الدينية الرسمية وجمودها، فسيطروا على أذهان الشباب، لكنهم لم يستطيعوا الذهاب بعيدا مع الثورة الاجتماعية المعتملة في الطبقة الوسطى السعودية.

حينها أسقط في يد الدعاة، فلا هم يرضون على خسارة قواعدهم، ولا هم بقادرين على التقدم أكثر من الميل الواحد، وهو ميل التخفيف في بعض القضايا السطحية ذات الطابع الفقهي.

لم يلبث أن وجد الدعاة في ميدان السياسة ما يغني من جوع للتقدم على التقليديين، فتشبثوا بطروحات مختلفة، وقاد الله لهم ربيعا عربيا رقصوا على أنغامه، ثم لم يلبثوا أن اصطدموا بجدار خريفه.

لم يستطع الدعاة تفكيك آلية ما يصفونه بالاستبداد، فهم لا يستطيعون الاقتراب من قيادة الناس في الشارع، ولا حيلة لهم سوى مواقع التواصل الاجتماعية بعد أن خسروا المنابر في المساجد.

ومن أبرز مثالبهم عدم قدرتهم على تعريف انتماءاتهم الفكرية. كيف يمكن أن يثق الشباب بمن يدعي الفروسية والبطولة والزعامة ويصنع لنفسه كاريزما القائد، وهو يخشى أن يفصح عن انتمائه الحزبي والفكري ضمن الطيف الإسلامي.

وفي تسابق يستحق السخرية عمل كل داعية على صنع مرجعية له، تحتوي في فصولها السياسة والفقه، بل وتفاصيل الحياة اليومية للفرد من مطعم ومشرب وملبس وهوايات وسياحة وغير ذلك. وأصبح لكل داعية مدير مالي يشرف على جمع الخموس من مريديه ومتبرعيه، والتبس التبرّع السياسي الهوى بالخيري، وأضحى لكل داعية امبراطورية مالية معظمها من تبرعات يتم دفعها لمؤسسته الخيرية، ثم تحول إلى حسابه الشخصي، فمن ذا الذي يعلم أو يراقب أو يحاسب في ظل صمت الحكومة.

لاحظ كثيرين أن الدعاة يقتربون من لحظة الصدام مع النظام، بعد أن ملأوا جيوبهم واستقرت أحوالهم من التردد على القصور أو قبول الهدايا، وخاصة من استعاض بمال دولة مجاورة لديها حلم (سرقة وهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب).

تمكن الإخوان المسلمون من الوصول إلى الحكم في مصر، فبدت الأحلام قريبة المنال لدى بعض الدعاة، وحينها بانت النواجذ فانخرط كثير منهم في العمل على تحشيد الشباب حوله متطلعا إلى نشر الإسلام والوصول إلى الهيمنة على رأس الدولة في بلاد الحرمين الشريفين، وكأن بلادهم لا تطبق ما تعاليم إسلامية بما يسمو على كل ما يطبقه الإخوان في بلدان حكمهم.

هب الدعاة إلى مصر يخطبون ويشيدون بنظام الإخوان، وفجأة انهار المعبد على من فيه، وعاد الدعاة يجرون أذيال الخيبة. لكن واقع الحال يفيد بأن الطريق أمامهم غير واضح. والشعب السعودي يتفرج على ما يحدث وكأنه أمام ملهاة يونانية.

لم ينتبه الدعاة إلى أن الزمن تغير، غرتهم جلبة الإخوان في مصر وسرقتهم الثورة هناك، فتوقعوا أن بإمكانهم فعل الشيء نفسه في بلاد تختلف جذريا بكل بنيتها السياسية وغيرها عن مصر.

حاول الدعاة الاستفادة من انبهار الشباب بما حدث في تونس ومصر وسوريا، لكن فاتهم أن هذا الانبهار تحول إلى امتعاض لرؤية دول تحررت من طغاتها السابقين لتعيد إنتاج طغاة جدد وبإرادة الصناديق الواهية.

تراجع الانبهار بتغيير نظام الحكم، وتحول إلى مطالبة بالعودة إلى المربع الأول، المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية، إلى قضايا السكن والعمل والخدمات، بدلا من التطلع إلى كرسي الحاكم ومن يدير الحكومة.

أيضا لم ينتبه الدعاة إلى تنامي القوى النسوية في بلادهم، حيث تعاظمت المطالبة بحقوق المرأة، ورأت هذه القوى الجديدة والمكوّنة من نساء يعلمن وأصبح تأهيلهن العلمي يفوق كافة الدعاة المتصدين للشأن العام، رأت القوى النسوية في هؤلاء الدعاة أنهم لا يختلفون عن غيرهم، يتلاعبون بقضاياهن ويشتركون في منعهن من الحصول على أبسط الحقوق. فازدادت مصاعب الدعاة في حيازة شعبية مهمة تساعد في التغيير.

حاول الدعاة أو تجار الدين أن يسرقوا المركب السعودي، لكنهم الآن يصطدمون بالناس قبل النظام، وتتم مساءلتهم عن أرواح الشباب التي هدرت بكلمات كاذبة أطلقوها. والنهاية بالطبع معروفة، هي تقدم المجتمع إلى النور وغياب خفافيش الظلام.

بعد كل هذا الذي استجد في الموقف الشعبي من هؤلاء الدعاة، لاسيما بعد تحرك جزء، وإن كان يسيرا، من الأغلبية الصامتة ضدهم.. أرى ضوءا في آخر النفق.


كاتب صحفي سعودي

9