خفايا إغلاق "الجزيرة ترك": "الباب اللي يجيك منه الريح سده واستريح"

الأسرة الحاكمة في قطر تهتم بصورة قناة الجزيرة وسمعتها أكثر من اهتمامها بالغاز.
الثلاثاء 2020/01/28
السياسة تحكم قناة الجزيرة

أطلقت الدوحة قناة الجزيرة ترك في عام 2014 لاهتمامها بالحليف التركي الذي تجمعها معه سياسة إعلامية واحدة تتمثل في دعم المتشددين الإسلاميين، لكنها وجدت نفسها في ورطة، فنقل قصص الشارع التركي يغضب السلطات ويهدد بتوتر العلاقات معه.

أنقرة - كشف رئيس التحرير السابق في قناة “الجزيرة ترك” الأسباب الكامنة وراء إغلاق القناة بعد سنوات قليلة على إطلاقها، موضحا أن الدوحة وجدت نفسها أمام مصدر إضافي للمشاكل، فقررت التضحية بالملايين من الدولارات، مقابل الخروج من ورطة قناة لا تستطيع أن تديرها كما ترغب.

وتحوّلت الذراع الإعلامية التي توظفها الحكومة القطرية لنشر أجندتها السياسة إلى مصدر للقلق، إذ أن نقل القناة لقصص الشارع ونبض المواطن التركي، ومنحها للمعارضة التركية منبرا على منصتها يعني صداما مباشر مع السلطات التركية، التي ترغب الدوحة في إرضائها، في حين أن التزام سياسة تحريرية موالية للحليف التركي سيجعل القناة لا تختلف عن المنصات التركية المحلية ذات الصوت الواحد، وبالتالي لن تلقى القناة القطرية قبولا لدى شريحة واسعة من الجمهور التركي.

وقال جوركان زينغين، رئيس تحرير سابق بـ”الجزيرة ترك”، في حوار مع موقع “ميدل إيست. آي”، أن فكرة إنشاء قناة تبث الأخبار على مدار الساعة كامل أيام الأسبوع إلى جانب منصة رقمية تحطمت بسبب السياسة الدولية.

وأكد أن “الجزيرة لم تشرح السبب الذي دفعها إلى تغيير رأيها في القناة بعد كل هذا الاستثمار”. لكن متابعين أشاروا أن قرار القطريين التخلّي عن منفذ إعلامي، يعود إلى أنه يمكن أن يفسد علاقاتهم مع أنقرة على المدى الطويل.

وحاولت القناة في بداياتها الدخول بقوة إلى الشارع التركي، واستثمار تضييق السلطات التركية على الصحافة والإعلام المحلييْن، وأثارت إحدى القصص الأولى التي نشرتها القناة جدلا في أنقرة حيث نقلت خبر تورط أربعة وزراء من حكومة رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان في قضية فساد بعد أن وجّهت إليهم الشرطة التركية تهما رسمية.

وكانت وسائل الإعلام التركية متحفظة بخصوص هذا الخبر، لكن قناة الجزيرة الوحيدة التي تجرأت على نشر هذه القصة وسط صراع داخلي على السلطة. وفاجأ هذا الأمر المسؤولين الأتراك، إذ جاءت فكرة إنشاء قناة الجزيرة ترك في 2011 خلال ثورات الربيع العربي لدعم حكومة أردوغان محليّا في وقت لم تلاقِ فيه دعم الكثيرين في الإعلام التركي.

جوركان زينغين: إغلاق "الجزيرة ترك" بهدف حماية صورة القناة وحفظ العلاقات الإستراتيجية التي تجمع قطر بتركيا

وأسست قطر وتركيا تحالفا إقليميا عند اندلاع ثورات الربيع العربي حيث تبنّتا نفس الاتجاه ودعمتا نفس الأطراف (الإسلاميين المتشددين). وازدادت العلاقات التي تجمعهما متانة بعد أن قاطعت دول الخليج العربي (بقيادة السعودية والإمارات) قطر في 2017.

ويفخر مسؤولون أتراك بأن قواتهم الخارجية ساهمت في حفظ النظام القطري، حيث حالت تلك المتمركزة في الدوحة دون اضطرابات كان يمكن أن تتحول إلى انقلاب يسقط حكومتها.

وأشار مسؤولون وموظفون سابقون إلى احتجاجات منتزه غيزي بتركيا، حين عبّر الشعب عن غضبه من حكومة أردوغان. امتدت هذه الاحتجاجات إلى كامل البلاد وأغرقت إسطنبول دون أن تتمكن قوات الشرطة من احتوائها.

وقال مصدر من إدارة تحرير”الجزيرة ترك” إن الجزيرة الإنجليزية دعمت المتظاهرين في أيام تحركاتهم الأولى، وأكد أنها تبنّت نبرة قاسية عند تغطية أردوغان. وأشار المصدر إلى أن هذه العوامل هي التي زعزعت ثقة أنقرة في القناة وحطمتها. وبدأت الحكومة العمل على مشروع بديل لا يحتاج الجزيرة، وأصبح معروفا باسم قناة “تي.آر.تي.وورلد”.

ونقل الموقع عن مصدر مطلع على ما كان يحدث داخل الحكومة القطرية أن خطط الإعلام تغيّرت مع صعود الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى السلطة في 2013. فتحت ضغط أميركي، أجبرت الجزيرة على تغيير بعض من مواقفها والتخفيف من عملياتها وهو ما برز في إغلاق قناة “الجزيرة أميركا” في 2016.

وذكر جوركان زينغين سببا آخر في التحول الذي شهدته الجزيرة في 2013، ويرجع إلى التطورات في مصر ذلك العام، حيث تعرف قطر بدعمها للإخوان، وكانت الضربة التي تلقوها عند الإطاحة بمرسي كفيلة لإدراكها بأن المنطقة أصبحت تسير في اتجاه مختلف عن الذي توقعته في بداية الأمر.

Thumbnail

وأضاف زينغين أن الأسرة القطرية الحاكمة تهتم بصورة قناة الجزيرة وسمعتها، حيث يعتبر أنها أهم من مواردهم الغازية عندما يتعلق الأمر بالتأثير على الساحة العالمية. ولأنهم كانوا مصرّين على حمايتها، جاءت خطوة إغلاق “الجزيرة ترك” بهدف حماية صورة القناة وحفظ العلاقات الإستراتيجية التي تجمع قطر بتركيا.

وتحدث أستاذ العلاقات الدولية برهان كور أوغلو، الذي تولى منصب رئيس مجلس إدارة الجزيرة ترك، إلى موقع “ميدل إيست.آي”. وأوضح أن غلق القناة جاء نتيجة للتغييرات الداخلية والضغوط الخارجية التي سلطتها مجموعة من الحكومات المختلفة على هذا المنفذ الإعلامي المهم. وقال “كان هدف قناة ‘الجزيرة ترك’ الرئيسي يكمن في إنشاء قناة تلفزيونية إقليمية مؤثرة مقرها إسطنبول. وكدولة رأت قطر أن الجزيرة نمت بسرعة كبيرة وقررت تقليص حجمها. ولعب ضغط السعودية والإمارات دورا في قرارها”.

وانطلقت الجزيرة ترك في 2014. لكن بدأ انتداب الصحافيين وتجربة المحتوى منذ عام 2011. واستثمرت الملايين من الدولارات في القناة الجديدة ثم أغلقتها في سنة 2017.

وأكد مسؤول بإدارة التحرير أن 15 صحافيا في القناة دعموا احتجاجات منتزه غيزي بتركيا، وكانت مواقفهم واضحة على موقع تويتر. وتم طردهم رغم ادعاء “الجزيرة ترك” باستقلالية العاملين فيها. وكانت إدارتها حذرة في تعاملاتها مع الحكومة التركية.

وتتواصل التوترات بين الجزيرة العربية وأنقرة إلى اليوم. ففي نوفمبر الماضي، انتقدت “تي.آر.تي” و”تي.آر.تي.وورلد” قناة “الجزيرة” لطريقة تحدثها عما كان يجري في شمال سوريا، لكن لا يمكن التعويل كثيرا على تغطية الجزيرة العربية للأحداث التركية باعتبارها لا تهم الجمهور التركي ولا يتابعها.

18