خفايا محاولة المتشددين لاغتيال أول رئيس لإندونيسيا

مذكرات رئيس جهاز المخابرات الأسبق تكشف أبعادا جديدة في الصراع على الهوية.
الأحد 2020/06/07
الرئيس الذي أزعج المتشددين

ساهمت حركة دار الإسلام المتشددة في شيوع فكر جماعة الإخوان المسلمين في إندونيسيا، وهي الحركة المتهمة بتنفيذ محاولة اغتيال فاشلة لأول رئيس للبلاد بعد الاستقلال بسبب الخلاف والصراع على الهوية وشكل نظام الحكم. ويسلط رئيس جهاز المخابرات الأسبق الجنرال عبدالله محمود هيندربريونو في مذكراته الضوء على أهم ما ميّز فترات حكم رؤساء إندونيسيا منذ استقلالها إلى هذا اليوم.

يصف رئيس جهاز المخابرات الإندونيسية الأسبق عبدالله محمود هيندربريونو عهد أول رئيس للبلاد أحمد سوكارنو (1945 – 1967) بأنه ثورة لم تكتمل من أجل الاستقلال، كاشفا في الوقت نفسه عن تفاصيل وأبعاد محاولة الاغتيال الفاشلة التي نفذتها جماعة دار الإسلام في العام 1962 ضد سوكارنو والصراع على الهوية في البلد الآسيوي.

وسينشر هيندربريونو مذكراته قريبا في كتاب يحمل عنوان “بعض خبراتي التي ذكرتها”، حيث تضم الكثير من تفاصيل معايشته مع القيادات والرموز منذ استقلال إندونيسيا في منتصف أربعينات القرن الماضي وحتى اليوم.

وتطرق هيندربريونو، البالغ من العمر 75 عاما، في كتابه إلى أسرار لم تنشر من قبل تتعلق بمحاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الرئيس الراحل أحمد سوكارنو على يد أعضاء من جماعة دار الإسلام بقيادة كارتو سويريو.

وخلقت محاولة الاغتيال لدى رئيس جهاز المخابرات الأسبق الكراهية لتيارات الإسلام السياسي كونها جعلت زعماء الإصلاح والرموز الوطنية عرضة للظلم على أيدي بني جلدتهم وهددت البلاد بالتمزق والانهيار.

وكان سوكارنو قد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة أثناء تأديته صلاة عيد الأضحى في الرابع عشر من مايو العام 1962 على أيدي عناصر من جماعة دار الإسلام.

ويروي هيندربريونو أن حركة دار الإسلام التي اعتنقت مفاهيم دينية متشددة طالبت بقيام حكومة إسلامية منذ العام 1948، واستهدفت سوكارنو وخططت لاغتياله بسبب معارضته لقيام تلك الحكومة وعملت على تشويه صورته والتحريض ضده بوصفه معاديا للدين الإسلامي.

وتكمن أهمية مذكرات رئيس المخابرات الأسبق في تتبعها لمسار الإصلاح السياسي الذي شهدته إندونيسيا منذ عهد أول رئيس للبلاد وصولا إلى مرحلة حكم الرئيس الحالي جوكو ويدودو.

أصل العداء

أسرار لم تنشر من قبل
أسرار لم تنشر من قبل

تتناول مذكرات الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات أهم ما ميز فترات حكم رؤساء إندونيسيا منذ استقلالها إلى هذا اليوم. وتؤسس فلسفة سوكارنو وصولا إلى جوكو ويدودو، على المدى البعيد ومع تراكم الإصلاحات والبناء على ما تم إنجازه جيلًا وراء جيل، لقاعدة وطنية ومجتمعية صلبة تثمر صياغة الشخصية الوطنية وتنمية الموارد والاستفادة منها.

وتناقض هذه الفلسفة سلوك مؤسس جماعة دار الإسلام الذي كان رفيقا لسوكارنو قبل أن يفترقا عندما تبنى سويريو إيديولوجية اليمين الديني ومشروع “الدولة الإسلامية العالمية”.

ونشط سوكارنو سياسيا على أساس القومية والهوية الوطنية الجامعة بين الانتماء لتقاليد إندونيسيا والقيم الدينية المحافظة والحداثة الغربية، بينما نشط سويريو على أساس الإيديولوجيا الدينية التي أسهمت لاحقا في ذيوع مناهج حزب التحرير وحركة الإخوان المسلمين هناك، لذلك سعى لاغتيال سوكارنو بغرض إفشال مشروعه الإصلاحي الوطني والتمكين لمشروعه الأممي الديني.

ويقول رئيس المخابرات الإندونيسية الأسبق، إن سوكارنو اختلف مع مؤسس جماعة دار الإسلام كارتو سويريو في الإجابات على أسئلة الهوية والشكل الذي يجب أن يكون عليه نظام الحكم، وكيف توصف بالدولة الإسلامية إذا لم يكن للشريعة الإسلامية التي تحكم بها دور في النظام الدولي وفي علاقاتها الدولية.

ووجد سوكارنو ومن تولى بعده من الرؤساء أن تعاليم الدين الإسلامي التي لا يمكن للدولة فرضها أو تبنيها من موقع سلطوي، هي مسؤولية المنظمات الإسلامية والعلماء ودور الدعاة والمساجد والمدارس والمعاهد الدينية، فيم أصر زعيم جماعة دار الإسلام وحزب التحرير وجماعة الإخوان من بعده على أن تفرضها الدولة بسلطتها الجبرية والعقابية.

وطرح سوكارنو الصياغة النهائية للبنشاسيلا (خمس مبادئ دستورية تضمن الحريات الأساسية) بعد مناقشتها وتضمينها في دستور سنة 1945 بعد الاتفاق بين لجنة المراقبة في السعي لاستقلال إندونيسيا ولجنة إعداد الاستقلال والمعروفة باسم ميثاق جاكرتا. في سنة 1940 اختارت جمعية نهضة العلماء أحمد سوكارنو ليكون رئيسا للدولة ومحمد حتى نائبا له، وهو دليل على أن العلماء لم يختاروا نظام الخلافة ولا الملك إنما دعموا نظام الجمهورية الموافق لتطورات نظم الحكم الحديثة.

واتفق علماء جمعية النهضة في مؤتمرهم الشهير في بانجارماسين على أن إندونيسيا هي دار الإسلام من منطلق سعيها للاستقلال والحرية والازدهار وليس من منطلق الحكم الديني الأممي.

وحدد العلماء هوية إندونيسيا كونها دولة لا دينية لكنها تدعم الدين وتحترمه احتراما كبيرا على قاعدة أن الدين والدولة توأمان لا يمكن أن يكون أحدهما كاملا إلا بوجود الآخر، فالدولة تحافظ على الدين لكن لكل منهما دور يختلف عن الآخر.

الهوية الوطنية

أحمد سوكارنو عمل على الدفاع عن الهوية الوطنية الجامعة بين الانتماء لتقاليد إندونيسيا والقيم الدينية المحافظة والحداثة الغربية
أحمد سوكارنو عمل على الدفاع عن الهوية الوطنية الجامعة بين الانتماء لتقاليد إندونيسيا والقيم الدينية المحافظة والحداثة الغربية

انقسمت التوجهات السياسية في إندونيسيا بعد الاستقلال إلى خمسة أنماط رئيسية تأسست عليها جميع التوجهات السياسية لدى الجماعات الحركية المختلفة طوال عهود الإصلاح السبعة التي قسم على أساسها رئيس جهاز المخابرات الأسبق كتابه.

وتستمد أربعة من تلك الأنماط أدبياتها ومناهجها من الأفكار الغربية، بينما يستمد واحد فقط أفكاره من منبع الدين الإسلامي، ولكل منها نزعة إيديولوجية خاصة تتميز بها عن الأخرى، وهي اليسار المتطرف واليسار المعتدل واليمين المحافظ واليمين الليبرالي والنزعة الإسلامية.

ومن الحركات الإسلامية في إندونيسيا من آمنت بالنزعة الليبرالية وهي ما يطلق عليها التيار الإسلامي الحداثي الذي يؤمن بعلمنة السياسة والاقتصاد عبر فصل الدين عن الدولة.

وتشكلت نزعة بارامادينا من تلك الأفكار التي تستمد وجهات نظرها السياسية والدينية من أطروحات نور خالص مجيد، معتقدين بأن الدولة عبارة عن جانب الحياة الدنيوية ذات الأبعاد العقلانية والجماعية، بينما يمثل الدين جانب الحياة الروحانية.

ويتبنى التيار الإسلامي المحافظ والتقليدي حاليا، مثل جمعية نهضة العلماء والجمعية المحمدية، الأفكار العقلانية ويسلك مسالك الاعتدال في ما يخص الشأن السياسي، حيث تعتبر نفسها حركات اجتماعية ثقافية وليست حركات سياسية.

في المقابل تطورت حركات دينية لا تؤمن بالمشاركة السياسية في أوساط المجتمع الإسلامي، رافضة التفاهم أو التنازل بشأن كيان الدولة القومية، حيث تبنت فكرة اتحاد الأمم تحت مظلة الخلافة العالمية، والنموذج الأكثر وضوحا لتلك النزعة هو حزب التحرير الإندونيسي الذي يعد الامتداد الطبيعي لجماعة دار الإسلام، من جهة القناعات الفكرية المشتركة بينهما.

حزب التحرير الإندونيسي يعد الامتداد الطبيعي لجماعة دار الإسلام من جهة القناعات الفكرية المشتركة بينهما

واستمد الاتجاه الأصولي السلفي جذوره التاريخية، الذي ينشط بشكل سري ويرفض الديمقراطية ونظم الحكم الحديثة، من عداوة الغرب للعالم الإسلامي رافضا العلمنة والتغريب والتحديث متأثرا بالسلفية النجدية.

وأكثر ما يميز الحركات السلفية من سمات، بجانب تمسكها بمظاهر اللحية والنقاب والجلباب شدة انغلاقها وتمسكها بالتفسير الحرفي للنص الديني متأثرة بمثيلاتها في الشرق الأوسط وناهلة من طروحات مشايخ السلفية بالمنطقة العربية ومن أهم تلك الجماعات في إندونيسيا حركة إسلام سامودرا “إسلام البحر” و”الحركة التربوية”.

وتشكلت على الجانب الآخر حركات إسلاموية جهادية تتبنى التغيير عن طريق العنف بدعوى الجهاد، متحالفة مع أخرى تضغط على الحكومات داخل المشهد السياسي دون ممارسة العنف، ليكتمل مسار عرقلة الاستقرار وإحراج النظام.

وتجسد هذا التيار في العديد من الحركات مثل، دار الأرقم وجماعة التبليغ والإخوان المسلمين ورابطة أهل البيت الإندونيسية وجبهة المدافعين عن الإسلام وحزب التحرير وجماعة دار الإسلام.

وتشكلت حركات إسلامية أخرى متأثرة بالفكر اليساري متبنية تحقيق العدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق المجتمعات المهمشة والمقموعة، رافعة راية النضال ضد الظلم الذي يلحق بالمستضعفين، وهي النزعة التي تطورت على يد مسلم عبدالرحمن، ومصدر فريد المسعودي، ولاحقا تأثرت بأفكار مستمدة من طروحات أصغر إنجينير بالهند، وعلي شريعتي بإيران، وحسن حنفي في مصر. واعتزلت الحركات الإسلامية اليسارية المشاركة السياسية وكانت كثيرا ما تعقد تحالفات مع جماعات اشتراكية خالصة.

تمهيد الأرض للإخوان

Thumbnail

مهدت جماعة دار الإسلام الأساس لشيوع فكر جماعة الإخوان المسلمين في إندونيسيا التي وجدت بيئتها الخصبة في أوساط الأكاديميين وبدأت تنمو منذ أوائل تسعينات القرن الماضي، لأن شخصياتها المهمة في مراحل انتشارها الأولى بالأوساط الجامعية والطلابية هم عدد من النشطاء السابقين لدى جماعة دار الإسلام.

بعدما استقرت قاعدة الإخوان الجماهيرية في أوساط الأكاديميين صارت تطور نفسها بشتى المسارات عن طريق التربية والدعوة وتشكيل الخلايا والشُعَب، وعبر المسار السياسي والحزبي، وهما النشاطان اللذان يديرهما مكتب المراقب العام عن طريق هيكل إداري يحمل عنوان مجلس شورى الجماعة.

أحمد سوكارنو في سطور

  • ولد في مدينة سورابايا في 6 يوليو 1901
  • تخرج من كلية الهندسة عام 1925
  • تولى حكم إندونيسيا ما بين العامين (1967-1945)
  • مؤسس الجمهورية الإندونيسية الحديثة توفي في 21 يونيو 1970

لا تقتصر أنشطة جماعة الإخوان على التربية والدعوة والسياسة، فهي تمارس نوعا من التربية العسكرية أو شبه العسكرية عن طريق المخيمات ومراكز التدريب وفرق الكشافة للناشئة بالمناطق المغلقة نسبيًا مثل جبل سالاك وجبل بانغرانغو وجبل بونتان بجنوب باندونغ. يتم من خلال هذا النشاط تجنيد الكوادر على فكرة الجهاد الميداني والحركي تقليدًا للنظام الخاص لجماعة الإخوان بمصر في الخمسينات، ولكتائب عزالدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس في فلسطين.

وترتبط جماعة دار الإسلام بحزب التحرير الإندونيسي من جهة الأفكار، انطلاقا من فكرة تقي الدين النبهاني التي طرحها كارتو سويريو ضمن نقاط خلافه مع سوكارنو بأن العالم الإسلامي يجب تصفيته من كل أشكال الاستعمار.

وتعد إقامة الخلافة الإسلامية في حد ذاتها أمرا ضروريا لدى جماعة دار الإسلام وحزب التحرير، وتعني قيادة جميع الأمة المتواجدة على بقاع الأرض تحت ظلال “الدولة الإسلامية العالمية”، والتي يتولى إمامتها الزعيم الواحد الذي تمت بيعته من قبل جميع أفراد الأمة.

وانطلاقًا من أفكار جماعة دار الإسلام احتج حزب التحرير في إندونيسيا لفرض إقامة الخلافة بأن بلاد المسلمين اليوم كلها بلا استثناء داخلة في تصنيف دار الكفر، على الرغم من أن سكانها من المسلمين وذلك بناء على ما تقرر في موسوعة الحزب بأن مصطلح دار الإسلام لا يصح إطلاقه إلا على ولاية يطبق عليها القانون الإسلامي الإلهي في كل جوانب حياتها.

ورد في الموسوعة ذاتها أن دار الكفر مصطلح يطلق على الولاية التي تطبق قوانين الكفر والقوانين الوضعية، وتلك التي لا يهيمن فيها المسلمون على شؤون الأمن والاقتصاد والسياسة الخاصة بها.

ويدور الخلاف بشأن هوية إندونيسيا حديثًا والذي تُعد الحركات التي تمثل امتدادا لجماعة دار الإسلام طرفا فيه سواء جماعة الإخوان أو حزب التحرير، حول الأسئلة التي دارت في النقاش الساخن بين سوكارنو وسويريو قبل أن يختلفا ويفترقا ويسعى أحدهما لاغتيال الآخر.

7