خفة الذاهبين إلى جنيف

الخميس 2013/08/22

لم يذهب السوريون إلى جنيف؟ ما الذي سيتفاوضون عليه؟ ما الذي يمنعهم من إكمال مسيرة الدم التي بدؤوها قبل أكثر من سنتين؟ أيوجد عاقل في الكون يمكنه أن يتخيل أن هناك فريقين متناحرين سيضعان وطنا على طاولة التشريح من أجل أن يتقاسماه حصصا ولا يخرجان منتصرين؟

لماذا الاستمرار في الحرب إذن وقد كان ذلك الخيار متاحا منذ أكثر من سنة؟ سيقال إن ميزان القوى على الأرض لم يكن يسمح في أن يجلس الطرفان متكافئين. ألم يكن ثمن ذلك التكافئ مزيدا من القتلى والمعاقين والجرحى والمهجرين والمعتقلين والمخطوفين ومدنا وبلدات وقرى أضيفت إلى لائحة الخراب الشامل الذي جعل من سوريا أرضا منزوعة الملامح، لا تزال الكارثة تتفنن في رسم صورتها؟ ومع ذلك فإن الناس في سوريا لم تتخل عن لغة الأمل.

وهنا ينحصر الأمل في فكرة غامضة تختصرها جملة قد لا يكون لها مكان على أرض الواقع: «ما تبقى من سوريا». وهم يقصدون مَن لم يقتل وما لم يُهدم. ولا أحاول هنا أن أدفع عني صفة التشاؤم، حين أقول «أنْ ليس هناك مَن لم يُقتل سوى المحاربين وليس هناك ما لم يَهدم سوى الأطلال التي يتحصن بها أولئك المحاربون». أما شعب سوريا فقد تم الإجهاز عليه تماما، وفي الوقت نفسه فإن المكان السوري قد فقد كل ما كان يلهم الناظر إليه بسحره وجماله وطمأنينته ونغمه الشاعري وأصالته ورائحة التاريخ التي كانت تمر بخفة عاشق أموي.

لقد تحول السوريون إلى مادة للقتل وتحولت سوريا كلها إلى ماكنة لإنتاج الحقد والكراهية والرغبة في الثأر والانتقام. ومع ذلك فإن أمل الذهاب إلى جنيف لا يزال يحرك مشاعر السوريين وهم يحنون للعودة إلى زمن لن يكون في إمكانهم أن يستعيدوه.

«المهم أن يتوقف نزيف الدم» قيلت هذه الجملة كثيرا، من غير أن ترافقها إرادة قادرة على أن توقف النزيف. فمنذ أن دخل السياسيون السوريون طرفا ضعيفا في معادلة دولية، لم يعد لكلامهم أي معنى، بل إنهم فقدوا مصداقيتهم أمام أنفسهم قبل أن يفقدوها أمام الشعب السوري. صارت المسألة السورية كرة تتدحرج من مكان إلى آخر، تركلها أقدام يهمها كثيرا أن لا تصل تلك الكرة إلى هدف بعينه.

سيتعب السوريون يوما ما من القتال. دعهم إذن يتقاتلون إلى أن يتعبوا.

السياسيون السوريون وهم أبناء اللعبة يدركون جيدا أن كلاما من هذا النوع لا يمت بصلة إلى الضمير الإنساني، الذي هو مجرد تعبير مجازي، تطمئن إليه لغة الضعفاء دون أن تبحث عن حقيقة وجوده واقعيا.

لذلك فإنهم صاروا يراهنون على لعبة ميزان القوى ليذهبوا إلى جنيف بضمائر مرتاحة. هناك يتم اختصار المسافة بين القاتل وقاتل يجاريه في الفتك، أما القتيل فإنه لن يُمس بسبب قدسية كونه شهيدا. سيكون موضوع «ما تبقى من سوريا» هو زبدة الكلام وكل ما عداه سيكون ثرثرة.

لقد قرر الراعيان الروسي والأميركي أن ينسقا جهودهما من أجل ألا يشعر القطيع بالملل ويكف أفراده عن نطح بعضهم البعض الآخر. وهذا ما يجسده إصرار الراعيين على تزويد الأطراف المتقاتلة بشحنة من الأمل، تكون على هيئة أسلحة نوعية تحقق لهذا الطرف أو ذاك إنجازا على الأرض، يضفي على الأمل شيئا من معنى. يمحو طرف جزءا من حمص فيقوم طرف ثان بمحو جزء من حلب فيما يتسلى طرف ثالث بمحو جزء من القامشلي. تبدو الأطراف متفقة على أن تبقي تعبير «ما تبقى من سوريا» قيد التداول وهي تسعى إلى أن يكون حضورها في مؤتمر جنيف مدعوما بوثائق ما أنجزته على الأرض. سيتقاسم السياسيون بشرا ودّعوا منذ زمن طويل معنى الحياة الكريمة، وأرضا يندب الغراب حظه لو نعق في فضائها.

9