خفة عقل

الأربعاء 2017/01/25

يبدو أننا دخلنا مرحلة خفة العقل وأثرها في تسلل الهوى ودوام الفتنة، وقد زادت وسائل الاتصال الحديثة في فتح المجال أمام المجانين والأغبياء والحمقى، لينشروا الأكاذيب، ويروجوا الأباطيل، وينسجوا المؤامرات، ويصادروا الحكمة، ويعلنوا الحرب على المنطق والمعنى والقيمة، ليقبضوا ثمن خفة عقولهم أضعاف ما قد يجنيه العاقل والصادق والحكيم من الرصانة والرزانة والوقار المعرفي.

وبعد أن كان الواحد منّا يصادف معتوها على الرصيف كل شهر أو شهرين وربما أكثر، صرنا اليوم مجبرين على أن نرى المعتوهين ونسمعهم ونختلط بهم، شئنا أم أبينا، سواء عبر شاشات التلفزيون أو موجات الإذاعات أو على صفحات التواصل الاجتماعي. بل وأصبحنا نكتشف أن بعضا ممن كنا نحسبهم عقلاء، تحولوا بفعل النجومية الزائفة والطموحات الخائبة إلى مخفوقين مدهوشين من غير مسّ جنون.

ثمّ إن الشخص الذي كان قبل عقدين من الزمن، يعيش ويموت، وهو يعتقد أن عدد أعدائه لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، أضحى اليوم محاصرا بالآلاف من الأعداء، وبات يتعرض للذبح والسلخ والتنكيل والتشويه في ظل مجتمعات افتراضية تأسست في جانب منها على نشر الكراهية والحقد والكذب بين الناس. حتى أن دونالد ترامب، وهو رئيس أقوى دولة في العالم، أعلن بصوت عال أنه يتعرض لحملات عدائية شرسة ويواجه سيلا جارفا من الأكاذيب، بينما قال مسؤولون كبار في العديد من الدول، إنهم يقضون نصف أوقاتهم في تفنيد الإشاعات وتكذيب الأخبار الزائفة التي تتم فبركتها في غرف عمليات متخصصة تشرف عليها جهات خارجية أو داخلية، وتموّلها حكومات ومنظمات وجماعات وشبكات بغاية بث الفوضى وإلهاء العوام.

بحيث يكفي أن ينشر أحدهم خبرا كاذبا لتصفية حسابات شخصية مع بلد أو حكومة أو شخصية عامة أو مؤسسة، حتى يجد من خفيفي العقل من يصدقه ويروج كذبته ثم يحولها إلى مادة للتحليل والنقاش، ويخرج علينا الخبراء والباحثون والمحللون الجهابذة في حملات تصفية حسابات، اعتمادا على تلك الكذبة التي سرعان ما تتحول إلى حقيقة في أذهان البسطاء والسذج والمغرّر بهم، ومن قبلهم أصحاب الأجندات والمصالح والصكوك على بياض، ممن يطمحون دائما إلى أن تجري الرياح بما تشتهي سفنهم، خصوصا عندما تكون سفنا مشدودة إلى جزر الوهم بحبال الدعاة المنافقين.

باختصار، نحن أمام خطر حقيقي يتهدد مجتمعاتنا، أساسه أن العقول الخفيفة أمست تمتلك أدوات تأثير أكثر مما تمتلكه العقول الرصينة، ما يجعل العته أكثر فاعلية من الحكمة، كونه ينفذ من بوابة الكسل الفكري والجمود الثقافي والفقر المعرفي والحقد الاجتماعي، وكونه يستفيد أولا وأخيرا من علاقتنا المتأزمة مع العقل. فهل نتصدى للعاصفة، أم نكتفي بمجاراة المعتوهين؟

24