خفض الدعم يكشف ضعف القدرة التنافسية للأسمنت المصري

رهان على أسواق أفريقيا بعد توقف التصدير لدول المنطقة، وتدشين خط ملاحي من ميناء العين السخنة على البحر الحمر إلى كينيا ومنها لعدد من دول شرق أفريقيا في سبتمبر المقبل.
الاثنين 2019/07/29
تسويق الأسمنت بحاجة لخطة إنقاذ

كشفت خطط الإصلاح الاقتصادي التي طبقتها الحكومة المصرية عن ضعف القدرة التنافسية للأسمنت المحلي في الأسواق الخارجية، التي ظهرت في تكدس الإنتاج داخليا رغم فورة البناء والتشييد في البلاد خلال السنوات القليلة الماضية.

القاهرة – اتخذت مصر حزمة من الحوافز لإنقاذ مصانع الأسمنت من شبح الإغلاق عقب تراجع قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية، وضعف الطلب داخليا، بسبب زيادة الطاقات الإنتاجية الفترة الماضية من خلال تأسيس مصانع جديدة.

وأكد مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء في لقائه مع رئيس شعبة الأسمنت باتحاد الصناعات المصرية عن ضم الأسمنت لقائمة الصناعات التي تتمتع بالمساندة التصديرية وهيكلة ديونها لدى البنوك.

وبموجب الخطوة يتم منح المصدرين مبالغ مالية، في شكل حافز عن كل طن، وهذا الإجراء معمول به في عدد كبير من الدول هروبا من إجراءات منظمة التجارة العالمية التي تجرم دعم الصادرات، حيث يعد نوعا من أنواع الإغراق للأسواق، واصطلح على تسمية هذه البرامج بحوافز الصادرات.

ويصل إجمالي إنتاج مصر من الأسمنت لنحو 85 مليون طن سنويا، مقابل طلب لا يتجاوز 50 مليون طن، وزادت معدلات الإنتاج بحوالي 15 مليون طن بعد دخول مصانع جديدة الخدمة خلال العامين الماضيين.

وقال بنك الاستثمار فاروس إن الفجوة بين الطلب والطاقة الإنتاجية تصل لنحو 35 مليون طن العام الحالي، ما يؤثر سلبا على صافي دخل الشركات ويكبد مراكزها المالية خسائر خلال العام الجاري.

وتضم وصفة الحكومة أيضا تفعيل الاتفاقيات الثنائية بين القاهرة ودول أفريقية لفتح آفاق جديدة لصادرات الأسمنت المصري.

مدحت إسطفانوس: المبالغة في الضرائب تقوّض القدرة التنافسية للشركات
مدحت إسطفانوس: المبالغة في الضرائب تقوّض القدرة التنافسية للشركات

ومع أن صادرات مصر للسوق المشتركة للشرق والجنوب الأفريقي (كوميسا) معفاة من جميع الرسوم الجمركية، لكن صادرات الأسمنت المصري لهذه السوق لم تتجاوز حاجز 4 بالمئة من إجمالي صادراتها إلى كوميسا و60 بالمئة منها مواد بناء.

وتعد كينيا وليبيا أكبر دولتين في أسواق كوميسا استيرادا للأسمنت، إلا أن الصادرات تعثرت بشكل كبير مؤخرا لصعوبة عمليات النقل وكثافة التوترات السياسية.

ومن المقرر تدشين خط ملاحي من ميناء العين السخنة على البحر الحمر إلى كينيا ومنها لعدد من دول شرق أفريقيا، في سبتمبر المقبل، وأمام تصاعد الأوضاع السياسية في ليبيا سوف تتأثر هذه السوق التي تتميز بالقرب المكاني وسهولة النقل.

وقال مدحت إسطفانوس رئيس شعبة الأسمنت بغرفة مواد البناء في اتحاد الصناعات المصرية، إن “الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة من خلال تحرير سعر العملة والطاقة كانت ستضيف ميزة تنافسية لصناعة الأسمنت”.

وأوضح لـ”العرب” أن المبالغة في الرسوم المرتبطة بتكاليف الإنتاج وزيادة الضرائب، رفعت تكلفة المنتج المصري بنحو 15 مرة مؤخرا، وتزامنت مع دخول خطوط إنتاج جديدة أدت إلى خروج القاهرة من المنافسة مع الدول المجاورة، وتسببت المنظومة في زيادة تكلفة طن الأسمنت عن أقل تكلفة في دول المنطقة بنحو 12 دولارا.

ويصل عدد شركات الأسمنت في مصر إلى 19 شركة، منها شركة حكومية واحدة، ويستحوذ الاستثمار الأجنبي على 52 بالمئة مع هذه الصناعة.

وتضم هذه الشركات نحو 48 خطا لإنتاج الأسمنت، وقالت شركة النهضة مطلع الشهر الحالي إنها قررت تعليق الإنتاج جزئيا لخطها الرئيسي في مصنع قنا بجنوب مصر لمدة ستة أشهر، في ضوء تراجع المبيعات وتخمة المعروض بالسوق المحلية.

وقررت شركة السويس للأسمنت في مايو الماضي وقف نشاط وحدتها أسمنت بورتلاند طرة مؤقتا بسبب تدهور النتائج المالية، فيما تمت تصفية الشركة القومية للأسمنت نهاية العام الماضي.

وأشار عبدالعزيز قاسم، عضو غرفة مواد البناء باتحاد الصناعات المصرية، إلى أن مشاكل صناعة الأسمنت تتزامن مع تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، وتعويم الجنيه، ما تسبب في رفع قيمة المواد الخام المستوردة، خاصة الفحم وقطع غيار المصانع.

ولفت لـ”العرب” إلى أن رفع الدعم عن المحروقات، والتي تمثل نحو 54 بالمئة من تكاليف إنتاج الأسمنت تزامنا مع غياب المساندة الحكومية، أفقد الأسمنت المصري قدرته على المنافسة، مقارنة بتركيا وعدد من دول المنطقة.

وأوضح أن الأزمة تفاقمت مع زيادة الكميات المعروضة بالأسواق، ولا بديل لحل المشكلة إلا بأسواق تصديرية لتصريف المنتج المصري.
وتستهلك مصانع الأسمنت حوالي 30 بالمئة من إجمالي الطاقة بالقطاع الصناعي، ونحو 33 بالمئة من الغاز الطبيعي، ومثلها للكهرباء و36 بالمئة من استهلاك المازوت والفحم.

وأكد أحمد الزيني، رئيس شعبة مواد البناء باتحاد الغرف التجارية، أن مصانع الأسمنت في مصر شهدت ازدهارا حتى نهاية العام الماضي، نتيجة ارتفاع مستويات الأسعار لنحو 78 دولار للطن، وتحقق مرادها بعد جني أرباح طائلة، إلا أن هذا الحال لم يدم طويلا.

48 خطا لإنتاج الأسمنت
48 خطا لإنتاج الأسمنت

وأضاف لـ”العرب” أنه في عقب تدخل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة بتأسيس مصنعين في العريش وبني سويف، استقرت السوق وشهدت توازنا ملحوظا وتراجعت الأسعار لمستويات 50 دولار.

وتفضل مصانع الأسمنت بيع منتجاتها بالسوق المحلية، لأنها تحقق أرباحا طائلة، بسبب زيادة الطلب الذي يتزامن مع فورة التشييد والبناء في مصر.

وتبني مصر 10 مدن جديدة في مختلف أنحاء البلاد، في مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة العلمين وتعتبر العاصمة السياحية المرتقبة على البحر المتوسط.

وفسر الزيني رفض المصانع التي يستحوذ على أغلبها مستثمرون أجانب تصدير الأسمنت للأسواق الخارجية، بعدم وجود دعم تصديري من جانب الحكومة، ونجحت هذه الضغوط بعد إعلان مجلس الوزراء عن برنامج لمساندة صادرات الأسمنت.

وتوقع أن تنفرج أزمة تكدس الإنتاج بعد انطلاق هذا البرنامج، وتخوف من عودة الشركات لرفع الأسعار في السوق الداخلية مرة أخرى.

وترصد القاهرة برنامجا لتنشيط الصادرات بقيمة 360 مليون دولار في موازنتها العامة للعام المالي الحالي الذي بدأ مطلع يوليو الجاري، بزيادة 120 مليون دولار عن العام المالي الماضي، لكن الممارسة العملية كشفت عن عدم التزام وزارة المالية في دفع قيمة المساندة التصديرية للمصدرين.

وتصل قيمة هذه المتأخرات لنحو مليار دولار، الأمر الذي دفع المجالس التصديرية لمطالبة مجلس الوزراء بالتدخل لحل تلك الإشكالية، وتبقى أزمة المصانع قائمة، إذا لم تلتزم الحكومة بدفع قيمة المساندة التصديرية، وستظل تعاني لأنها تربت في حضن الحماية وباتت غير قادرة على مواجهة المنافسة الحرة.

11