خفوت نبرة المطالبة بإخراج القوات الأميركية من العراق

تراجع القوى الموالية لإيران عن المطالبة بإخراج القوات الأميركية صدى لتوجّه طهران نفسها التي أيقنت باستحالة إخراج تلك القوات.
الأربعاء 2019/09/04
صامدون هناك

بغداد - يتعمّد كبار رموز معسكر الموالاة لإيران في العراق من قادة أحزاب وميليشيات شيعية، غضّ الطرف عن مطلب إخراج القوّات الأميركية المتواجدة على الأراضي العراقية الذي سبق أن طرحته تلك الجهات بقوّة ولوّحت باستصدار تشريع من البرلمان يكسبه قوة القانون الذي يتوجّب على الحكومة تنفيذه.

وعمليا تراجعت المطالبات بذلك وكادت تختفي رغم توهّج حالة العداء للولايات المتحدة حاليا على خلفية التهم الموجّهة إليها بالتواطؤ مع إسرائيل في تنفيذ سلسلة غارات بطائرات مسيّرة على عدد من مقرّات ومخازن سلاح تابعة للحشد الشعبي ألحقت بها دمارا كبيرا.

وقالت مصادر عراقية إنّ تحالف الفتح ممثل الحشد الشعبي تحت قبّة البرلمان، والداعم لحكومة عادل عبدالمهدي طمأن الأخير بعدم طرح قضية إخراج القوات الأميركية من العراق للنقاش أمام مجلس النواب خلال الفصل التشريعي الجديد، مضيفة أن قيادة التحالف تعهّدت بلجم التيارات والفصائل التي ما زالت تتشبّث بمطلب إنهاء الوجود العسكري الأميركي على الأراضي العراقية.

ومؤخرا أصدر المرجع الديني الشيعي كاظم الحائري فتوى بتحريم إبقاء أي قوة عسكرية أميركية في العراق. وقال ضمن فتواه “أقولها كلمة صريحة، وأعلن من موقع المسؤولية الشرعية عن حرمة إبقاء أي قوة عسكرية أميركية وما شابهها وتحت أي عنوان كان تدريبا أو مشورة، أو بذريعة مكافحة الإرهاب”. غير أنّ التفاعل مع هذه الفتوى جاء محدودا واقتصر على بعض الشخصيات والفصائل المسلّحة المعروفة بموالاتها الشديدة لطهران وبالتالي عدائها الشديد لواشنطن.

وأصبحت كتل وازنة في البرلمان العراقي تتحاشى طرح إصدار تشريع يقنّن إنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق. واكتفى النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي حسن كريم الكعبي عضو البرلمان عن تحالف سائرون المدعوم من رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر بالدعوة إلى تطوير القدرات الدفاعية والهجومية للجيش ورفع جاهزيته، لـ“ردع أي اعتداء خارجي”.

وذكر المكتب الإعلامي للكعبي، في بيان أنه “زار مقر وزارة الدفاع، حيث التقى بوزير الدفاع، نجاح الشمري، وعدد من القادة الضباط”.

وتابع أن الكعبي “بحث تداعيات الهجمات الجوية التي استهدفت مخازن الأسلحة والأعتدة التابعة للحشد الشعبي في عدد من المناطق”.

ويتهم قادة في الحشد إسرائيل بشن هجمات بطائرات مسيرة على قواعد له، وهو الأمر الذي يحرج الحكومة التي تعتزم تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة كرد وحيد متاح لها على تلك الهجمات.

وقال الكعبي إنّ “مجلس النواب بكل قواه الوطنية يتفق تماما على أولوية عدم السماح لأي قوة خارجية بالاعتداء على أرض العراق وقوّاته المسلحة ومختلف الصنوف والتشكيلات التابعة للدولة”.

ولم يتعرّض النائب إلى موضوع طرد القوات الأميركية، واكتفى بالتشديد على “ضرورة رفع جاهزية القوات المسلحة البرية والجوية منها، وتطوير القدرات الدفاعية والهجومية، بما يساهم في ردع أي اعتداء خارجي”.

كما دعا الكعبي إلى “تفعيل الخطط الاستخبارية، وتوحيد الجهود مع مختلف الأجهزة الأمنية”، إضافة إلى “تشديد أمن الحدود وتطوير أنظمة الدفاع الجوي، بما يحفظ أجواء العراق وسيادته الكاملة”.

ويلتقي كلام الكعبي مع معالجة حكومة عادل عبدالمهدي لتداعيات قصف مقرّات الحشد الشعبي، حيث أعطت تعليماتها لوزارة الدفاع “ببحث أنجع الأساليب لتطوير منظومة الدفاع الجوي لمنع انتهاكات أجواء البلاد”، وذلك بعد أن أصدر رئيس الوزراء قراره بضبط حركة الطيران في الأجواء العراقية وحصر منح الموافقات على تحرك الطيران بأنواعه النفّاث والمروحي والمسيّر بيد رئيس الحكومة أو من يقوم هو بتكليفه بذلك.

ويقول متابعون للشأن العراقي إنّ مطلب إخراج القوات الأميركية من العراق، مطلب إيراني بالأساس وأنّ طهران شجّعت حلفاءها السياسيين الذين يشكّلون كتلة وازنة في البرلمان على سنّ قانون يلزم حكومة بغداد بإخراج تلك القوات.

ويؤكّد هؤلاء أن إيران وأتباعها في العراق تبيّنوا في الأخير مدى عدم واقعية ذلك المسعى، إذ لن يكون بمقدور الحكومة العراقية الجديدة المتعثّرة أصلا والمتخبطة في متاهة معقّدة من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية أن تفتح جبهة صراع جديدة ضد الولايات المتحدة التي تمتلك أوراق ضغط كثيرة على بغداد والطبقة الحاكمة في العراق بما في ذلك قادة الأحزاب الشيعية الكبيرة.

ومنذ بروز فرضية طرد القوات الأميركية من العراق أجرت واشنطن اتصالات كثيفة ومارست ضغوطا خفية على العديد من الدوائر والشخصيات العراقية الرسمية والحزبية.

وقال مصدر عراقي طلب عدم الكشف عن اسمه “إنّ تراجع القوى الموالية لإيران عن المطالبة بإخراج القوات الأميركية هو صدى لتوجّه إيران نفسها التي تعلم استحالة إخراج تلك القوات التي تملك أيضا خيار التمركز بشرق سوريا وفي إقليم كردستان العراق”، مضيفا “بقاؤها هناك يتيح على الأقل للميليشيات التهديد باستهدافها من حين لآخر كما هو جار اليوم بعد تعرّض مقرات الحشد للقصف”.

3