خلافات الآباء دروس بليغة في حياة الأبناء

الأربعاء 2014/12/03
الصراعات في حضور الأبناء مردها محاولة الآباء الحفاظ على صورتهم المثالية

على العكس تماما من المفاهيم السائدة التي روّجت لها الدراسات السابقة، حول مضار الخلافات بين الأهل على صحة الأبناء النفسية، خرجت دراسة حديثة بنتائج مفاجئة حيث أكد باحثون على أن الأطفال الذين يشهدون الخلافات والمشاجرات اللفظية في منزل الأهل أكثر قدرة على تخطي خلافاتهم الشخصية مع الآخرين في مستقبل حياتهم، في إشارة إلى أن مراقبة ورصد الخلافات بين الآخرين يمكنهما أن يخففا التوتر فضلا عن إسهامهما في تطوير مهارات الاتصال اللغوي.

رصد البحث الذي أسهم فيه 50 ثنائيا من المتزوجين، مستوى تركيز هورمون التوتر (الكورتيزول) في الجسم بعد أن طلب من المشاركين الإفصاح عن أسباب خلافاتهم في المنزل ومناقشتها علنا. ومن خلال إجابة هؤلاء عن أسئلة استبيان تتعلق بتجاربهم في مرحلة الطفولة، توصلت النتائج إلى أن الأفراد الذين خبروا خلافات ومشاجرات الأهل في الصغر، كانوا أقل توترا أثناء خوضهم لخلافاتهم الشخصية مع شركائهم أو أزواجهم مقارنة بالذين لم يتعرضوا لمثل هذه التجارب في طفولتهم.

ووفقا لنتائج الدراسة التي نشرت في دورية “أبحاث العلاقات البشرية”، أشارت الدكتورة لينزي ألويا؛ التي قادت فريق البحث في كلية رولينز في ولاية فلوريدا الأميركية، إلى أن التعرض إلى مشاهد الخلافات والمشاجرات بين الأهل في سن الطفولة يجعل من المرء أكثر حكمة ومهارة في إدارة مشاكله في الكبر وبالتالي أكثر مهارة في السيطرة على تبعاتها النفسية التي تصاحبها عادة، وذلك بالتخفيف من مستوى التوتر وتجنب تصعيد حدة الصراعات ومحاولة إيجاد الحلول لتقريب وجهات النظر بين طرفي الخلاف في العلاقة الزوجية.

التعرض إلى مشاهد الخلافات والمشاجرات بين الأهل في سن الطفولة يجعل من المرء أكثر حكمة ومهارة في إدارة مشاكله في الكبر

ويبدو أن هذه التجربة تمثل مسارا مخالفا تماما للدراسات السابقة، التي تشدد على أن تجارب الطفولة المؤلمة ومنها الخلافات المستمرة بين الوالدين، من شأنها أن تنمي شخصية مستقبلية عدوانية تلجأ إلى إثارة الخلافات المتكررة مع الشريك، إضافة إلى أن معاناة أصحاب هذه الشخصية من القلق والاكتئاب وكثرة الشكوى أمر وارد، مع ميلهم إلى استخدام العنف الجسدي في مواجهة خلافاتهم الزوجية.

بصورة عامة، يحاول بعض الأهل تجنب إثارة خلافاتهم أمام أنظار أبنائهم لكن بعض هذه الخلافات تشتعل في أغلب الأحيان بصورة تلقائية غير مخطط لها وبالتالي لا يمكن تجنبها، رغم آثارها المدمرة على شخصية الطفل وتكوينه العاطفي. والأسوأ من ذلك، أن بعض الآباء والأمهات يزيدون من حدة وعدوانية خلافاتهم وشجاراتهم اللفظية عندما يتم الأمر بحضور الأبناء، وكأنهم يتعمدون ذلك.

وخلصت نتائج دراسة شارك فيها 47 زوجا وزوجة تم تعقب مسار خلافاتهم في المنزل على مدى أسبوعين، بأنهم يتشاجرون بصورة أقل أمام أنظار أبنائهم، إلا أن هذا الشجار يتسم بعدوانية وغضب كبيرين بسبب حضور الأطفال كشهود، كما يميل معظمهم إلى إهانة شركائهم والسخرية منهم واستخدام ألفاظ التحقير، خاصة إذا تعلق موضوع الخلاف بالأطفال أنفسهم؛ كالاختلافات في أساليب التربية أو الصعوبات المادية التي يتكبدها الشريكان في الإنفاق على الأسرة.

وحذرت الدكتورة أنيتا كيلي؛ أستاذة علم النفس في جامعة نوتردام، من أن هذا النوع من الصراعات قد يكون الأخطر في تأثيره على نفسية الطفل، بسبب شعوره بالذنب كونه المتسبب في نشوب الخلاف ونوهت بأن الأبحاث الخاصة في العلاقات الأسرية، لم تتوصل بعد إلى السبب الرئيسي الذي يدفع الأهل إلى تصعيد حدة خلافاتهم أمام الأبناء، لكنهم تنبهوا إلى أن وجود الآخرين أثناء الخلاف كالأبناء أو الأقرباء أو الأصدقاء، من شأنه أن يؤدي إلى ردود أفعال مختلفة، تتعلق بحدة هذا الخلاف وطبيعة الألفاظ المستخدمة ومدى شدة الغضب إضافة إلى مستوى العنف المتبادل بين الشريكين.

بعض الآباء يزيدون من حدة خلافاتهم وشجاراتهم اللفظية عندما يتم الأمر بحضور الأبناء، وكأنهم يتعمدون ذلك

إلا أن الدكتورة كيلي ترجح أن حدة الصراعات في حضور الأبناء، مرده محاولة الحفاظ على الصورة المثالية أمام أنظارهم والتي يحاول الشريك التقليل من شأنها أثناء الخلاف، ويمكن أن يغضب أحد الشريكين بصورة مبالغ فيها حين يواجه اتهامات الشريك الآخر له بالتقصير أو سوء التصرف، في حضور الأبناء، مما قد يسيء إلى صورته أمامهم باعتباره مثالا وقدوة.

من ناحية أخرى، يلجأ أحد طرفي الخلاف إلى تصعيد حدة العنف دفاعا عن نفسه وتعبيرا عن رفضه للمعاملة السيئة من قبل الطرف الآخر، وهي من ضمن الاستراتيجيات التي يتبعها الأهل في تعليم أبنائهم كيفية التصرف إذا تعرضوا إلى مواقف مشابهة في حياتهم المستقبلية، وحقهم في الدفاع عن النفس وعدم السماح للآخرين بامتهان كرامتهم الإنسانية.

من هذا المنطلق، يمكننا أن نتوصل إلى حدود مشتركة بين الدراسة الأخيرة وسابقتها اللتين تختلفان في مسارهما التفصيلي وفي تعريفهما لمحتوى الخلافات بين الأهل ومدى أهميته في تكوين السلوك النفسي للطفل، لكنهما تتفقان بخصوص الفائدة المشتركة من ذلك؛ والتي تجد في هذه الخلافات –أيا كان مستوى حدتها- دروسا بليغة في الحياة.

21