خلافات الأبوين تحدث شروخا عاطفية عميقة في شخصية الطفل

فرط الحركة ونقص الانتباه مؤشران على معاناة الطفل، ومرحلة الطفولة المبكرة نقطة انطلاق مهمة لشخصية سوية.
الأربعاء 2018/04/25
الجو الأسري الخانق يؤثر سلبا على الأبناء

لا يستطيع الطفل في الغالب التعبير عن مشاعر الحزن والغضب أو الانزعاج مما قد يحدث أمام عينيه في المنزل، فتتكون استجابته بطرق أخرى ترتد سلباً على ملامح شخصيته؛ حيث يفقد احترامه لذاته، وثقته بالآخرين، والإحساس بمعنى الحياة، وثقته بقدراته وذكائه ومواهبه في التحصيل العلمي وفي الحياة عموماً.

تقول الدكتورة مارلين ويدج -وهي معالجة نفسية أميركية متخصصة في تقديم الدعم النفسي للأطفال والمراهقين الذين يعانون من مشاكل نفسية- “لسنوات طويلة وخلال تجربتي في العيادة النفسية، وجدت أن السبب الأول الذي يقف خلف المشاكل النفسية التي يعاني منها الأطفال هو الخلافات المستمرة بين الأم والأب أمام أنظار أبنائهما، وفق ما أخبرني به الأطفال أنفسهم. وبصرف النظر عن تأثير العوامل الأخرى مثل سوء المعاملة والإهمال، فإن الخلافات بين الأبوين هي أكثر ما يزعج الأطفال ويتسبب في إحداث شروخ عاطفية عميقة في شخصيتهم”.

ومن خلال سلسلة من المقالات والمؤلفات المتخصصة، تؤكد ويدج على أن خلافات الأبوين المستمرة واستخدام العنف أحياناً في التعاطي مع المشاكل التي يواجهونها، من شأنهما أن يتركا آثاراً خطيرة في حياة الطفل والمراهق خاصة في ما يتعلق بأدائه الأكاديمي؛ حيث تم تشخيص بعض حالات المراهقين بكونهم مصابين باضطراب فرط الحركة وتشتيت الانتباه، الأمر الذي يؤثر سلباً في مراجعة دروسهم، وتحصيلهم الدراسي وتعاملهم مع بيئتهم الاجتماعية أيضاً.

من جانب آخر، يجد بعض الآباء صعوبة في فهم العلاقة بين خلافاتهم وعراكهم اليومي وبين تشخيص أطفالهم بالإصابة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أو اضطراب طيف التوحد؛ إذ يؤثر اضطراب طيف التوحد في كيفية إدراك الطفل للآخرين والاندماج معهم، ويتجلى هذا الاضطراب في جوانب أساسية من نموه مثل التفاعل والتواصل والسلوك الاجتماعي، ومن ضمن السلوكيات غير المألوفة أيضاً فرط الحركة والإصابة بنوبات الهلع، كما أن عدم الانتباه قد صار مشكلة شائعة لدى هذا الصنف من الأطفال.

ويرى بعض الآباء أن الطفل الذي يفضل الانعزال ويحبس نفسه في غرفته أو محيطه الضيق يعاني من بعض الأعراض النفسية الطارئة أو ربما يعد ذلك مؤشرا على خلل ما في وظائف دماغه، إلا أن الأمر قد يكون أكثر بساطة من هذا؛ حيث يفضل الطفل التراجع عن الاحتكاك بالآخرين في بعض الأحيان والابتعاد عن مصادر تزعجه وتسبب له الهموم والمعاناة النفسية، ومن أبرز بواعث إزعاجه خلافات الأهل التي تجعله يفضل العزلة والابتعاد عن الآخرين.

الأطفال يستجيبون بطريقة سيئة لما يحدث في بيئتهم الأسرية حتى إذا كانت هذه المؤثرات تتصف بكونها بسيطة
 

في الوقت الحاضر تهتم العديد من الدراسات الحديثة بالتحقق من العلاقة القائمة بين خلافات وصراعات الأبوين المستمرة في المنزل، وقدرة الأبناء على التعرف إلى مشاعرهم والتعبير عنها بحرية، حيث وجدت بعض الدراسات النفسية أن تعرض الأطفال لسوء المعاملة والإهمال في مرحلة مبكرة يؤثر كثيراً في طريقة تعبيرهم عن مشاعرهم تجاه المحيطين بهم، خاصة الأم والأب، إضافة إلى عدم قدرتهم على التعرف إلى ما يشعرون به أو ما ينبغي أن يشعروا به في مواقف حياتية مختلفة.

من جانب آخر أظهرت دراسة حديثة نشرت نتائجها في أواخر مارس 2018، في المجلة الأميركية “العلاقات الاجتماعية والشخصية”، أن الأطفال -خاصة من الذين يتميزون بخجلهم الشديد- يستجيبون عاطفياً بطريقة سيئة لما يحدث في بيئتهم الأسرية الصغيرة حتى إذا كانت هذه المؤثرات تتصف بكونها بسيطة؛ بدءا بالعراك المستمر بين الوالدين وصولاً إلى تهديد أحدهما للآخر بالطلاق.

وكانت الدراسة قد سعت إلى التحقق مما إذا كانت الخلافات بين الوالدين ذات تأثير سلبي في قدرة الأبناء على تمييز مشاعرهم والتعبير عنها، أسوة بالأوقات العصيبة الأخرى التي يمر بها الطفل مثل الإهمال وسوء المعاملة والتنمر. كما أنها ركزت على عينة من الأطفال تتمتع بميزات معينة، إذ تكونت عينة الدراسة من 99 طفلاً تراوحت أعمارهم بين 9 و11 سنة ويتميزون عن أقرانهم بالخجل الشديد.

وذكرت الدكتورة أليس شيرمر هورن المشرفة على الدراسة -وهي أستاذة مساعدة في قسم العلوم النفسية في جامعة فيرمونت- أنه بالمقارنة مع الإهمال وسوء المعاملة، يبدو الصراع والخلافات المستمرة بين الوالدين أقل قسوة ورعباً بالنسبة للطفل، إلا أن هذه الخلافات أكثر تداولاً وانتشاراً من التجارب المريرة الأخرى التي يمكن أن يتعرض لها الطفل، وبالتالي فإنها تشكل خطورة واضحة بالمعنى العام من حيث انتشارها وتكرارها وتواردها على مساحة أوسع ضمن النسيج الاجتماعي.

وتنصح هورن الوالدين بتجنب إظهار خلافاتهما أمام الأبناء قدر المستطاع، وبمناقشتها داخل الغرف المغلقة بعيدا عن مسامع الأطفال، أو في حال غياب الأبناء عن البيت. ويمكنهما بدلاً عن ذلك محاولة حل مشاكلهما خارج المنزل باللجوء إلى منازل الأصدقاء أو إلى المطاعم والأماكن العامة.

كما تؤكد على أهمية النأي عن استخدام العنف أو التهديد بالانفصال في خلافاتهما أمام أنظار الأبناء، فإذا تعذر هذا باستطاعتهما استشارة متخصص نفسي أو اجتماعي لبحث الحلول الممكنة والتوصل إلى حسم كامل أو جزئي للخلافات.

ومن بين المشاكل النفسية الأخرى التي يمكن أن يعاني منها طفل يعيش في هذا الجو الأسري الخانق، التبول اللاإرادي، واضطرابات النطق، والقلق والتوتر النفسي والفزع الدائم، وضعف الشخصية، والخجل المفرط، ثم العدوانية إذ أنه ربما يقلّد سلوكيات الوالدين السلبية، وفي العموم يمكن أن يوصف بكونه شخصا منسحبا اجتماعيا.

21