خلافات على المواقع تطفو على السطح في مؤتمر النهضة

تشهد حركة النهضة حدثا مهما وهو مؤتمرها العاشر منذ تأسيسها والثاني في العلن منذ العام 2012، ورغم ما صاحب الافتتاح من حضور مميز، وتنظيم محكم، إلا أن ذلك لم يخف وجود خلافات بين قيادات الحركة على التموقع في القيادة المرتقبة.
الأحد 2016/05/22
الشيخ نجح في جر الرئيس إلى صفه

تونس - يؤشر غياب عدد من القيادات عن المؤتمر العاشر لحركة النهضة، وانتخاب علي لعريض المحسوب على جناح الصقور رئيسا للمؤتمر عن خلافات بين “الإخوة”، رغم محاولات الحركة التغطية على ذلك.

وانتخب الجمعة الأمين العام للحركة علي العريض رئيسا للمؤتمر بأغلبية لم تتجاوز 678 صوتا من أصل 1098 صوتا وذلك على حساب نورالدين البحيري رئيس كتلة الحركة بالبرلمان.

ويعد انتخاب العريض أحد أبرز القيادات المتنفذة سياسيا وتنظيميا والمقربين من راشد الغنوشي مؤشرا قويا على أن “صقور” الحركة يسعون إلى قطع الطريق أمام “حمائمها” للتموقع ضمن القيادة المرتقبة.

وبدا انتخاب العريض رسالة موجهة إلى قواعد النهضة المرتهنة للخلفية العقائدية والرافضة لتحويل الحركة الإسلامية إلى حزب سياسي مدني.

وتزامن انتخاب لعريض مع غياب قيادات “سياسية” عن أشغال المؤتمر وفي مقدمتها سمير ديلو “الواجهة السياسية والإعلامية للنهضة بامتياز” ما أثار عديد التساؤلات بشأن خلفية الغياب في أهم حدث تشهده النهضة.

وأرجعت تسريبات غياب ديلو إلى “وجود خلافات عميقة” بين جناحي النهضة حول تركيبة القيادة المرتقبة التي يراهن عليها الجيل الثاني الأكثر براغماتية لقيادة نهضة سياسية خلال السنوات القادمة تمهيدا لخلافة الغنوشي.

غير أن العجمي الوريمي القيادي في الحركة نفى أن يكون غياب ديلو بسبب خلافات كما روّج لها مشيرا إلى أنه أحد مهندسي أشغال المؤتمر دون أن يقدم أيّ إيضاحات إضافية حول دوافع غياب لسان النهضة السياسي.

ووفق تسريبات تتركز اهتمامات القيادات المتناحرة على ضمان أكثر ما يمكن من حظوظ التموقع صلب القيادة المرتقبة أكثر مما تتركز على أيّ شيء آخر باعتبارها ستمهد الطريق أمام إفراز “خليفة” لراشد الغنوشي.

ويقول متابعون لشأن النهضة إن أهم تحد يواجه الحركة هو مدى صدقيتها في فصل الدعوي عن السياسي، مثلما أعلنت، ومدى نجاحها في إقناع اتجاهات الرأي العام بأنها قطعت مع خلفيتها العقائدية لتنشط ضمن اشتراطات العملية السياسية المدنية.

ولم تقدم كلمة راشد الغنوشي التي ألقاها الجمعة في افتتاح أشغال المؤتمر جديدا بالنسبة إلى الرأي العام التونسي حيث اكتفى بالإشارة إلى “مسألة الفصل” التي كثيرا ما روجت لها قيادات الحركة لبناء “نهضة سياسية”.

ويعلق متابعون على “الإعلان الرسمي بالفصل بين ما هو دعوي وما هو سياسي” قائلين إن “كل ما في الأمر هو أن الغنوشي بات يقود النهضة من الإسلام السياسي إلى السياسة الإسلامية” مشددين على أن هذا الإعلان “لن يجرّد الحركة لا من هويتها الإسلامية ولا من طبيعة تنظيمها الذي يرتهن إلى سطوة عقائدية من الصعب التخلي عنها بمجرد الإعلان”.

وتتطابق رؤية هؤلاء مع رؤية خصوم النهضة الذين يشددون على أن ضغط القوى العلمانية داخليا وفشل رهان قوى إقليمية ودولية على الإخوان دفعت بالغنوشي دفعا إلى قرار يقضي بقيادة النهضة من جماعة تنتمي لجماعات الإسلام السياسي إلى حزب يراهن على “السياسة الإسلامية”.

ويستدل خصوم الحركة على ذلك بتعبير الغنوشي في افتتاح أشغال المؤتمر عن استغرابه من “إصرار البعض على إقصاء الدين من الحياة الوطنية” إضافة إلى تشديد القيادات على أن “الحركة لن تتخلى عن هويتها”.

ويبدو أن مسألة الفصل بين الدعوي والسياسي، كما يذهب إلى ذلك محللون سياسيون، ستقود الحركة إلى الاستعاضة بـ”واجهة سياسية” تسعى إلى التفاعل مع مشهد سياسي علماني شرس ومجتمع منفتح متوجس على “خلفية عقائدية” ستتكفل بها قيادات من خلال تركيز جماعات دعوية تكون رافدا انتخابيا.

وعلى الرغم من إقرار السياسيين بأن نهضة ما بعد المؤتمر قد تكون أكثر براغماتية في التعاطي مع الشأن الوطني ومرونة في مـمارستها للنـشاط السـياسي إلا أنهم يستبعدون أن تقطع الحركة قطعا تاما مع مرجعيتها في ظل تنظيم يغلب عليه الولاء العقائدي أكثر من الولاء السياسي.

ويرى السياسيون أن النهضة التي استماتت منذ تأسيسها العام 1981 في “تطويع النشاط السياسي ضمن رؤية عقائدية تتناقض مع أبجدياته انتهت بها انتكاستها إلى تطويع الإسلام إلى اشتراطات العملية السياسية المدنية”.

ويرجع سياسيون هذا السعي إلى أن الحركة الإسلامية صدمت خلال فترة حكمها لتونس عامي 2012 و2013 بمؤسسات دولة مدنية قوية بدت عصية عن مشروع الأسلمة ولم تقد سوى إلى الفشل ثم التنحي عن الحكم.

غير أن أخصائيين في الجماعات الإسلامية يتوقعون أن تدفع الضغوط الداخلية والخارجية بالنهضة إلى الانزلاق شيئا فشيئا باتجاه تغليب البراغماتية السياسية على الخلفية العقائدية التي لم تقدها سوى إلى “الانطوائية والتقوقع”.

ويضيف الأخصائيون أن رئيس الحركة راشد الغنوشي الذي تحسس جيدا انهيار تنظيم الإخوان في المنطقة العربية سيسعى خلال فترة رئاسته الأخيرة إلى بناء “نهضة سياسية” ذات مسحة إسلامية على طريقة الأحزاب المسيحية الغربية منتهجا ما يسميه بـ”الإسلام الديمقراطي” في مواجهة “الإسلام الجهادي”.

وفي ظل الأزمة الهيكلية التي تعصف بتونس منذ خمس سنوات لن تواجه “النهضة القادم” فقط مراقبة التونسيين لمدى النأي بنفسها عن استثمار الدين وإنما ستواجه بشكل أشد حدة مراقبتهم لمدى تفاعلها مع مشاغلهم المعيشية والتنموية بعيدا عن الشعارات الفضفاضة التي عمقت تدني ثقتهم فيها.

وتشارك حركة النهضة في الائتلاف الحكومي الذي يقوده حزب نداء تونس. ويواجه هذا الائتلاف عدم رضا الشارع التونسي في ظل غياب الإنجازات وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن. وقد شهدت الفترة الأخيرة عدة تحركات احتجاجية تعكس حالة الاحتقان المتزايدة خاصة في المناطق الداخلية.

2