خلافات قبل أوانها على تسمية سوريا

الأحد 2014/09/14
الأكراد يطالبون بإسقاط صفة "العربية" من اسم سوريا الرسمي

طفت على السطح مؤخرا خلافات بين أقطاب المعارضة السورية، وخاصة بين المعارضة الكردية السورية من جهة وبين مجموعات أخرى من المعارضة السورية من جهة أخرى، تتعلق بتسمية سوريا بعد سقوط النظام.

اعترض الأكراد على إبقاء صفة “العربية” في اسم سوريا وطالبوا أن تصبح (الجمهورية السورية) في المستقبل، فيما أصرّ معارضون على تسميتها الحالية (الجمهورية العربية السورية) مؤكدين على أن المؤسسات الموجودة سواء في المعارضة أم في النظام غير مخولة إطلاقا للبحث في قضايا من هذا النوع وأن من يبتّ فيها هو مجلس منتخب يمثل كل السوريين يستند إلى أسس دستورية جديدة.

قبل أيام أعلن ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، الذي يضم غالبية التكتلات السورية المعارضة ومن بينها 11 حزبا كرديا معارضا، عن اعتماده اسم “الجمهورية العربية السورية” على شهادات الثانوية العامة للطلبة المتقدمين إلى الجامعات التركية وأشار إلى ضرورة استخدام هذه التسمية في كل المعاملات الرسمية لأسباب (تقنية وفنية) وأن ذلك من أجل “حل إشكال قانوني وإداري بحت يتعلق بمصالح الآلاف من الطلاب السوريين”، لأن هذا الاسم هو المعتمد في كل المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية خارج سوريا، ولا يجب تأويل هذه الخطوة سياسيا.

هذه الخلافات أثارت الأكراد خصوصا، وهم الذين يشكّلون نحو 12 بالمئة من تعداد سكان سوريا، يزيد وينقص قليلا بسبب عدم وجود إحصائيات دقيقة حول نسبتهم، وغالبيتهم يشترط الاعتراف والإقرار بالحقوق القومية الكردية لانضمامه إلى تكتلات المعارضة السورية، وعلى رأس هذه الحقوق موضوع تسمية سوريا المستقبلية، متحججين بأن سوريا تضم عدة قوميات من أبرزها الكردية والآشورية والشركسية والأرمنية وغيرها.

وكان الأكراد قد اشترطوا سابقا على تكتلات المعارضة السورية أن يتم تمثيلهم في ائتلاف المعارضة بنسبة 15 بالمئة وأن يكون لهم منصب نائب رئيس الائتلاف، وأن تكون اللغة الكردية لغة رسمية وغيرها من الشروط لينضموا إليه، وهو ما وافق عليه الائتلاف.

إن لم تتفهم القوميات واقع ارتباطات سوريا مع محيطها العربي فإن نهاية الحرب ضد النظام ستكون بداية لتقسيم أو لحروب أهلية

توسعت الخلافات بعد قرار المعارضة “الفني” الأخير، وذهب بعض الأكراد السوريين للتأكيد على أنهم مع الثورة ووحدة سوريا إن نُزعت عنها صفة العربية وهم مع التقسيم إن أصرّ السوريون على صفة العربية في اسم جمهوريتهم، وانتقلت الخلافات من مستوى النخب السياسية إلى المستويات الشعبية، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة حرب كلامية وتهديدات متبادلة وشتائم بين مؤيدي حذف كلمة العربية من التسمية الرسمية لسوريا وبين المطالبين بإبقائها.

وبالمقابل، فإن الشريحة العظمى من السوريين المعارضين للنظام وغير المقتنعين لا بالمجلس الوطني الكردي ولا بالائتلاف، أكّدت على أن هذه الخلافات تؤكد ضحالة تفكير ومسعى من يثيرها، وذكّرت بأن هذه المسألة لا يبتّ فيها إلا مجلس نيابي منتخب من كل السوريين ومحكمة دستورية غير موجودة حاليا، وأن التجاذب السياسي في الوقت الراهن هو حراك لا معنى له أمام حجم المصائب ودماء السوريين التي تراق كل يوم.

لا أحد مخولا


في واقع الأمر، أخلاقيا، ليست تسمية سوريا هاجسا مهما لدى السوريين في المرحلة الراهنة، مرحلة الدمار والموت، كما أن أي كتلة سورية لا يمكن أن تفرض رأيها على بقية المكونات، وهو ما ثار السوريون ضده أساسا، وقانونيا لا أحد مخوّلا في بحث قضايا من هذا النوع، لا النظام ولا المعارضة، فالجميع ـ حتى اللحظةـ مشكوك في شرعيته، ولم يأت بانتخابات شرعية مراقبة دوليا، ولم يختره السوريون بمحض إرادتهم وحريتهم، وإنما فُرضوا على السوريين فرضا، معارضة ونظاما، واسم الجمهورية ونشيدها الوطني وشكل الحكم فيها ومستقبل سوريا برمته قضايا من اختصاص جهات منتخبة وليست مجال مساومات سياسية أو طائفية أو قومية، ومن يبحث فيها الآن لا يزال في مرحلة المراهقة السياسية وعليه إعادة حساباته.

في معرض دفاعه عن حذف كلمة العربية، قال الحقوقي المعارض السوري الكردي رديف مصطفى “إن الإصرار على تسمية سوريا بالجمهورية العربية وفقا لمنطق الأغلبية سيدفعنا إلى القول إن سوريا عربية لأن غالبية سكانها عرب، وإسلامية لأن غالبية سكانها مسلمون، وربما يطالب البعض بتسميتها بالدولة العربية السنّية لأن غالبية سكانها سنّة، وقد تجد من يطالب بتسميتها بمذهب من مذاهب السنّة، وحينها يغيب الوطن وتغيب الدولة تماما”.

وأضاف “أما بخصوص الهوية، ماذا عن الدول العربية التي لا تحمل في تسميتها كلمة العربي، كتونس ولبنان وقطر والعراق وغيرها، هل يُعدّ ذلك انتقاصا من عروبتها وإسلامها؟ أما من الناحية القانونية فأرى أن الشرعية الدستورية هي التي تمنح الثورة الحق بإجراء تغييرات دستورية وقانونية شاملة تطال الدول وجميع مؤسساتها، ولن نقبل إلا أن تكون سوريا دولة مدنية ديمقراطية تعددية مُوحّدة تحترم حقوق الإنسان والمواطنة بغض النظر عن قوميّتهم أو دينهم أو طائفتهم ولن تستقر إلا إذا كانت كذلك”.

ويدافع الإعلامي السوري المعارض محمد منصور عن صفة العربية لسوريا وينفي ارتباط العروبة بحزب البعث، وقال حول هذه القضية “منذ آلاف السنين كانت هناك في سوريا قوميات غير عربية، لكن العالم كان يتعامل مع سوريا على أنها جزء من العالم العربي، بل قلب العالم العربي، وكل المستشرقين والرحالة والمؤرخين والجغرافيين كتبوا عنها باعتبارها ظاهرة ممتلئة بالروح الشرقية العربية، وحاملة لقيمها، وتحدثوا عن التنوع العرقي فيها، باعتباره تنويعات على هوية أساسية واضحة هي الهوية العربية، ومن يربط عروبة سوريا بتجربة البعث التي كانت قاسية على العرب كما على غيرهم، هو شخص يريد الافتراء على عروبة سوريا، نحن العرب نكره البعث بقوميّته الزائفة، ونكرهه بعنصريّته وفاشيته السياسية التي جعلته مطية للأنظمة الديكتاتورية، ونرفض ربط عروبة سوريا بتجربة البعث، ونذكّر أن مؤسس أهم مجمع علمي للغة العربية هو كردي يدعى (محمد كرد علي) لم يطمس أحد هويته، ولم يطلب منه أحد تغيير اسمه أو نسبه، وكان مؤمنا أن العروبة ثقافة وهوية مشتركة”.

لا شك أن الشعب الكردي واجه في سوريا والعراق وتركيا وإيران ظلما خلال القرن العشرين ومازال بعضه يواجهه حتى الآن. وبدأت مأساته المعاصرة منذ تطبيق اتفاقية (سايكس ـ بيكو) بين فرنسا وبريطانيا التي لم تأخذ مصالحه بعين الاعتبار، وصار الشعب الكردي يعيش في أربع دول، تمنع عنهم حكوماتها حقوقهم القومية وبعضا من حقوق المواطنة، وتحرمهم من ممارسة حرية الرأي والتعبير وتعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

إن لم تحل المشكلة الكردية ضمن إطار الوطن الواحد والمصالح المشتركة، ستبدأ مشاكل من نوع آخر


حرب أهلية


في سوريا مارس حزب البعث طوال خمسة عقود سياسات شبه عنصرية ضد الأكراد، باعتباره حزبا قوميا متعصبا، وطبّق الأسد الأب منذ استلامه السلطة سياسة هذا الحزب وأضاف لها أشياء أسوأ، كـ(الحزام العربي) وهو إحاطة المناطق الكردية بسكان غير أكراد تهجّرهم الدولة إلى هذه المناطق ليبقى الأكراد في ما يشبه الكانتونات، وعدم منح قسم كبير من الأكراد هويات شخصية وعدم الاعتراف بجنسيتهم السورية، وحَرمهم من التعليم باللغة الكردية أو الاحتفال العلني ببعض أعيادهم.

شارك الأكراد السوريون بالثورة السورية منذ أيامها الأولى، وتخلت أحزابهم وتنظيماتهم (السرية) عن أهدافها القومية والأساسية ـمؤقتاـ وتبنت شعارات الثورة، وشاركوا فيها بجدية وفعالية من منطلق أنها ـفي حال نجاحهاـ ستعترف بحقوقهم القومية والسياسية والاجتماعية، وتشدد غالبية القوى الكردية على أنها لا تهدف للانفصال عن سوريا، وحريصة على وحدة الأراضي السورية لأنهم سوريون، ويعتبرون أن الظروف القائمة الآن في سوريا، ومهما كانت نتائج الصراع السوري الداخلي، هي فرصتهم كي يحصلوا على حقوقهم، إلا أن مطلبهم حذف كلمة (العربية) من اسم الجمهورية العربية السورية كان له رد فعل عنيف لدى شرائح كبيرة من السوريين. إن لم تُحل المشكلة الكردية ضمن إطار الوطن الواحد والمصالح المشتركة، ستبدأ مشاكل من نوع آخر، وسيدخل السوريون بصراعات قومية لا نهاية لها، خاصة وأنه توجد في سوريا عدة قوميات جميعها يطالب بحقوقه القومية، وإن لم تتفهم هذه القوميات واقع وطبيعة ارتباطات سوريا مع محيطها العربي، فإن نهاية الحرب ضد النظام ستكون بداية لتقسيم أو لحروب أهلية لا نهاية لها.

4