خلافات مذهبية تهدد وحدة وبقاء مجلس كنائس مصر

أربعة أعوام مرت على تأسيس مجلس كنائس مصر الذي أنشئ من أجل توحيد الطوائف المسيحية المصرية ونبذ التعصب الديني والتقريب بين وجهات النظر، لكنه يتعرض اليوم لانتقادات كثيرة بسبب ضعف الأداء وحالات التشدد والاختلاف بين رجال دين من داخل مكوناته الكنسية.
الخميس 2017/10/05
أقباط مصر ينتظرون الكثير من مجلس الكنائس

القاهرة - دافع المؤيدون لأداء مجلس كنائس مصر قائلين إنه مازال في مرحلة التكوين ومن الأفضل أن يتحرك ببطء وهدوء ليعمق العلاقات بين أصحاب الديانة الواحدة فالتحرك السريع قد يولد الكثير من المشاكل نظرا للحساسية الشديدة بين الطوائف.

وأوضح المؤيدون أن المجلس قام منذ تأسيسه في 21 سبتمبر 2013 بعدة أنشطة خلال أسبوع الصلاة من أجل الوحدة المسيحية والذي أقيم في كنائس مختلفة، بالإضافة إلى توسيع نطاق العمل ليمتد إلى غالبية المحافظات عبر تأسيس لجان فرعية فيها للتقريب بين قساوسة الكنائس المختلفة والجمع بينهم في عدة مناسبات، بعد رصد عدم وجود علاقات تربط بين القسيسين، ما ينسف فكرة العمل المشترك.

ويرى مراقبون للشأن القبطي أن المجلس مازال “طفلا صغيرا في مرحلة الحبو” ولم يقف على أرضية الوحدة إلى الآن، حيث أهمل الغرض الرئيسي الذي نشأ من أجله وهو التقارب بين المذاهب المسيحية.

وظل المجلس الجديد محصورا خلال السنوات الأربع الماضية في قاعات الاجتماعات الموسمية التي تتم بين القادة الدينيين من الطوائف الخمس، واقتصر عمله على حزمة بيانات أغلبها سياسية أو تتعلق بحقوق المسيحيين وليس بوحدتهم، لتظل الوحدة حبيسة جدران المجلس كسراب يختفي مع الكلمات الختامية لمؤسسيه.

يعتبر مجلس كنائس مصر أول كيان يجمع الطوائف المسيحية الخمس معا، وهو الكنيسة الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية والأسقفية والروم الأرثوذكس.

تكوين المجلس جاء لتلبية رغبة مسيحية في التقارب بين الكنائس المسيحية وللبحث عن القواسم المشتركة بينها لتوحيدها في كيان واحد بهدف نبذ الخلافات المذهبية وتعزيز قيم الحوار ومحاربة التعصب

في فبراير عام 2013، خلال فترة حكم الرئيس المنتمي إلى جماعة الإخوان، محمد مرسي، التف رؤساء الكنائس الخمس حول طاولة واحدة بالكاتدرائية، لمجابهة خطر تدخل الإسلاميين في شؤون الكنائس ومواجهة أي عنصرية تجاه الأقباط واتفقوا على تدشين مجلس يجمع الكنائس.

وأوضح مصدر كنسي لـ”العرب” أن الكنيسة الأرثوذكسية اشترطت قبل التوقيع على اللائحة التنفيذية في أول اجتماع للمجلس بالمقر البابوي عدم إشراك كنائس جديدة قبل موافقتها بسبب الخلافات المذهبية مع العشرات من الملل المسيحية.

ويعتمد المجلس على التمويل الذاتي عبر اشتراكات الكنائس الأعضاء التي تسدد له سنويا، ولا يتلقى تبرعات أو تمويلا أجنبيا، ويتولى أمانته العامة حاليا القس رفعت فتحي، ممثلا عن الكنيسة الإنجيلية، ويتم تدوير الأمانة العامة بين أعضائه من الكنائس كل عامين.

وأشار مؤسس التيار العلماني المصري كمال زاخر، إلى أن “مجلس كنائس مصر هو خطوة ولدت كرد فعل إثر خلاف نشب بين الكنيسة المصرية الأرثوذكسية ومجلس كنائس الشرق الأوسط وانسحابها منه إبان عهد البابا الراحل شنودة الثالث ليكون مجلسا موازيا تحت المظلة المصرية”.

وجاء تكوين المجلس لتلبية رغبة مسيحية في التقارب بين الكنائس المسيحية وللبحث عن القواسم المشتركة بينها لتوحيدها في كيان واحد بهدف نبذ الخلافات المذهبية وتعزيز قيم الحوار ومحاربة التعصب.

وشجع على ذلك أن مسيحيي مصر يعتبرون بابا الإسكندرية الذي يشغل منصبه الآن البابا تواضروس الثاني، هو أب للجميع، أدبيا وروحيا ويبدو كرئيس لكل المسيحيين، إلى جانب أنه يختلف كثيرا عن سابقيه في تقبل الآخر ومعاملة الطوائف الأخرى، بالرغم من المقاومة الشرسة التي يجدها داخل الكنيسة من قبل قطاع من القساوسة والشباب.

وأضاف زاخر لـ”العرب” أن “المجلس ليس بديلا عن الكنائس، ولا يقوم بالدور الذي تقوم به الطوائف المسيحية، فمثلا لم يتدخل في إقرار قانون بناء الكنائس بل تمّ ذلك عبر رؤساء الطوائف، لكنه يسعى وعبر لجانه القانونية إلى التقريب بين الكنائس المسيحية من أجل إقرار مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين”.

وبحسب لائحته التعريفية، يسعى المجلس للوصول إلى وحدة حقيقية بها تعددية، فالمجلس يتفاعل مع الأزمات والقضايا بلا تمييز بين الطوائف، وهناك حرية أثناء الاجتماعات لعرض الرأي والرأي الآخر دون المساس بعقيدة كل كنيسة وإيمانها.

ويقول نائب رئيس لجنة الإعلام بمجلس كنائس مصر القس رفعت فكري إن “المجلس له علاقات طيبة بالمجالس العالمية والإقليمية، ما يساهم في تعزيز العلاقات الدولية.. كما أن المجلس كان لديه الكثير من الخطط للتوسع والانتشار على المستويين المحلي والعالمي، لكنه توقف بشكل مؤقت بسبب الظروف الأمنية وتعرض المسيحيين لأحداث إرهابية في العام الأخير، وهو ما ترتب عليه عدم التلاقي وإلغاء المؤتمرات الكنسية التي تعمّق العلاقات وتوحد الأقباط”.

لا تعني الوحدة التي ينشدها المجلس أن يصبح الأرثوذكسي كاثوليكيا أو العكس، أو أن تكون الطوائف نسخة متطابقة من الطائفة الأخرى، بل المقصود بها الوحدة حول الثوابت الإيمانية المشتركة التي تجمع بين الطوائف المسيحية الممثلة في مجلس كنائس مصر.

لكن المشكلات التي تحدث من حين إلى آخر بين الطوائف المسيحية يتسبب فيها تيار معارض انضمّ إليه عدد من رجال الدين المتشددين في جميع الطوائف يدعمون التفرقة ويعرقلون الوحدة بمحاربة أيّ خطوة إيجابية حفاظا على مكتسباتهم، ويشكك هؤلاء في إيمان وعقيدة الآخر ويرمون بعض الطوائف باتهامات كثيرة تصل إلى التكفير.

المجلس لم يقف على أرضية الوحدة، وأهمل الغرض الرئيسي الذي نشأ من أجله وهو التقارب بين المذاهب المسيحية

ولم يتدخل المجلس لتقريب وجهات النظر في الأزمة التي شهدتها الكنيسة الأرثوذكسية مؤخرا، عندما رفض متشددون فكرة توحيد المعمودية، وهو طقس مسيحيّ يقوم به الأرثوذكس والكاثوليك بشكل مختلف، وقد وافق عليه البابا تواضروس بابا الكنسية المصرية وفرنسيس الثاني بابا الفاتيكان عند زيارة الأخير لمصر في أبريل الماضي.

وأثارت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بمحافظة المنيا (جنوب مصر) الجدل مؤخرا عندما رفضت الصلاة على عروسين إنجيليين لقيا مصرعهما ليلة الزفاف، مؤكدة أنها تصلي لأجل المتوفى على إيمانها وعقيدتها فقط.

وأكد مصدر قبطي، رفض ذكر اسمه، أن “علامات الوحدة المسيحية وفقا لتعاليم الآباء القديسين هي الاشتراك في الذبيحة الواحدة والتناول معا من نفس المذبح وهذا لم يتحقق بعد، ولا حتى أبسط الأشياء كتوحيد أيام الأعياد لتقليص فجوة التباعد”.

وانتقد المصدر دور وأداء المجلس الأقل كثيرا من المتوقع وغياب الأنشطة التي ترسخ اندماج وترابط الطوائف المسيحية، وكشف أنه طوال ثلاث سنواته الأولى لم تعقد لجنة الحوار اجتماعها سوى مرتين، ولم يكتمل خلالهما العدد المطلوب، ومع أن عدد اللجان الفرعية للمجلس 13 لجنة، لكنها لم تخرج بنتيجة ملموسة في العلاقات المسكونية بين الكنائس من خلال الحوار اللاهوتي.

وكشف المصدر لـ“العرب” أن لجنة الحوارات اللاهوتية بالأساس داخل المجلس ليست مفعلة، وعندما أراد المجلس تفعيلها حدثت مشكلة بسبب الاسم، فالبعض وافق بينما اعترض آخرون، ما جعل المجلس يقترح الحوار المجتمعي كاسم بديل للجنة، لكن المشكلة تفاقمت ورفض عدد من الكهنة والقساوسة الممثلين عن الطوائف تمثيلهم بهذه اللجنة، وأدّى ذلك إلى تأجيله.

13